لابد من تعريف الأشياء قبل الإيمان بها أو العمل عليها، نسمع دائما جملتين متناقضتين، الأولى أنك تستطيع أن تغير العالم والثانية هي ألا تتعب نفسك، فلن تستطيع أن تغير العالم، ولكن الأهم في نظري هو تعريف العالم بالنسبة لشخص ما، وبعد التعريف نرى إن كان يستطيع أن يغيره أم لا. إن العالم بالنسبة لأحد ما هو تلك البيئة المحيطة به شخصياً من أفراد وسلوكيات وأنظمة وبيئة مادية وغيرها من الأمور التي تقسم إلى ثوابت ومتغيرات، ومن الجهل محاولة تغيير الثوابت في حياتنا مثل أن شخصا ذكر أو أنثى، أبيض أو أسود، طويل القامة أو قصير، وغيرها من الثوابت، لأن محاولة العمل على تغييرها مضيعة للوقت والجهد ولن تفلح في إحداث أثر التغيير، وهذا يقودنا إلى الأشياء الأخرى الأكثر مرونة وقابلية للتغيير، مثل الوضع المادي أو المعرفي أو الاجتماعي أو السلوكي وأكيد الوضع النفسي. والطريقة المثلى وتقريباً الوحيدة للقيام بذلك هو التدرب عليه وتبدأ من فكرة الاستيقاظ صباحا، فإذا أتقنت ذلك فقد أنجزت أول مهمة بنجاح، الأمر الذي سيقود تلقائيا إلى إنجاز مهمة أخرى وأخرى حتى تجد نفسك تنجز المهام المطلوبة منك يوميا وبحرفية ومهنية عالية، وهذا يرجعنا إلى أساس الطرح وهو القدرة على تغيير العالم، والعالم بالنسبة لك هو ما يحيط بك ويمكن العمل على تغييره وهو كل شيء ما عدا الثوابت الطبيعية، هذا هو الشق الأول من تغيير العالم من خلال زرع بذرة الأمل وسقيها بالعمل الدؤوب وتقييم كل مرحلة والاستفادة من التجارب. أما الشق الآخر والأكثر أهمية هو منح الأمل للآخرين من خلال تحويل الأزمات إلى فرص والمرض إلى أجر والمعاناة إلى تدريب والموت إلى بداية والفشل إلى خطوة على طريق النجاح والاكتئاب إلى حافز والحزن إلى فكر والفرح إلى مشاركة والصداقة إلى تعاون. واعلم أن أسهل الخيارات هي الاستسلام أو بمفهوم آخر الصبر غير الحميد وهو خيار يتنافى مع مبدأ الوجود وعظمة الخلق وهدف الخالق بقوله: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)، فلكل دعاة التدجين ومروجي أفكار القطيع ومثبطي الهمم أقول: إننا خُلقنا من روح الله ونحن أعظم المخلوقات بالنظر لحرية القرار والخيار، وخلق لنا هذا الكون العظيم مترامي الأطراف، وفِي أنفسنا العجب العجاب، كما قال تعالى: (وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ)، وعند استحضار هذه المعاني والتمعن بها أدرك وأؤمن بأن الاستسلام لقهر أي مكون من مكونات الحياة ليس خيارا، وأنه بالبحث قليلاً بين خبايا النفس والعقل والإيمان سنجد السلاح المناسب للمضي قدما في هذه الحياة والتغلب على أو التأقلم الحميد مع منغصات العيش. فقط عندها تستطيع أن تغير العالم أو حتى أن تصنع عالما خاصا بك على قياس أحلامك وعلى سعة تطلعاتك عندما تمسك الدفة وتوجه الأمل، مع التأكيد على اختلاف عوالمنا حسب اختلاف أماكننا في المجتمع، ومعطيات وجودنا وتحديات مستقبلنا، وعلى طريق بناء العالم مني تحية وإلى لقاء.