التوجه عكس المنطق

هنالك فارق كبير بين الشعبية والشعبوية، الأولى جيدة حيث يكتسب الإنسان تقدير الغير، أي الشعب، ويستفيد منها في الانتخابات أو في تسويق السلع والخدمات أو في تحسين مكانته ومركزه. الشعبية جيدة وتبنى مع الوقت بجهد وعبر العلاقات الحسنة وتتطلب تضحيات. تبنى على تجنب الأخطاء والتحسس مع الناس وعلى الخطاب الجيد الذي يحتوي على معان فاضلة. من يعتبر شعبيا يكون محظوظا لأن الجهد أحيانا لا يكفي بل يتطلب بعض الجاذبية الشخصية التي لا تتمتع بها إلا أقلية في أي مجتمع. الجاذبية تعوض أحيانا عن الأخطاء التي يرتكبها الإنسان في حياته. أذكر هنا «بيل كلينتون» الذي أخطأ كثيرا في حياته الشخصية وكاد أن يقال من قبل الكونغرس، إلا أن جاذبيته الشخصية أنقذته وفاز في الرئاسة مرتين. «هيلاري كلينتون» ربما تكون أكفأ من زوجها وهي المحامية الذكية لكنها تفتقد إلى الجاذبية الطبيعية وبالتالي خسرت الرئاسة مرتين. الجاذبية مهمة في الاقتصاد والفن والتدريس والعلاقات العامة والإعلام وغيرها. أما الشعبوية، فهي تحتوي على الكلام المقصود المنمق الهادف إلى تحقيق غايات معينة. للأسف تفوز الشعبوية أحيانا على الشعبية إذا أحسن الشعبوي تغليف أو تسويق رسائله. يعتمد السياسيون عموما على الشعبوية للفوز وقد مورست يمينا ويسارا في كل الدول. فالشعبوية تؤثر على الشعبية الحقيقية إيجابا أو سلبا تبعا لنوعيتها والذكاء في تسويقها وممارستها. لا شك أن الشعبوية ارتفعت مؤخرا في كل الدول مما يفسر تقدم الأحزاب المتطرفة في اليمين واليسار. دلت المواجهات في فرجينيا منذ سنة بين الأحزاب اليمينية المتطرفة والأحزاب والقوى الأخرى على ضعف التماسك في المجتمعات بالرغم من الجهود المبذولة منذ عقود لتحسين العلاقات الشعبية. تمر أمريكا اليوم بفترة مراجعة لما يحصل وكيفية تجنب صدامات مشابهة في المستقبل. في منطقتنا، تضرنا الشعبوية كثيرا وتسبب حروبا مناطقية ومذهبية وطائفية ودينية تدمر دولنا واقتصاداتنا وتهجر شعوبنا. معظم الشعارات السياسية والاقتصادية العلنية تقوم اليوم في وجه حرية التجارة والاستثمارات وانتقال رؤوس الأموال وغيرها وقد ساهم الرئيس ترامب كثيرا في إحيائها. هذه شعبوية فكرية ترفضها العلوم الاقتصادية إذ تسيء إلى الحاضر والمستقبل. هنالك جو عالمي ضد الحريات الاقتصادية ومع الحمايات وتدخل الدولة أكثر في الاقتصاد دون أن تبنى هذه الرسائل على العلم والواقع والتجارب العملية الجدية. طبعا العولمة لم تعط النتائج المتوخاة فيما يخص توزع الدخل والفقر، لكن الحل لا يكمن مطلقا في الانعزال والخوف والرفض والكراهية والاقفال والتهديدات والحروب. لا يكمن الحل في نشر العقوبات شمالا ويمينا، إذ من له الحق في معاقبة من وما هي المعايير. يكمن الحل في تحسين ضوابط الحريات التجارية والمالية التي تضر إذا تركت تعمل بفوضوية. مواجهة العولمة والقواعد التي بنيت عليها كانت منتظرة، إلا أن المفاجأة كانت في العنف السياسي والخيارات السيئة التي رافقتها والتطرف الذي نسمعه من قبل بعض السياسيين والاقتصاديين وقطاعات الأعمال والمجتمع.