اللحظة الأخيرة

يعتبر بعض الاقتصاديين أيام التعطيل في الأعياد وفي غيرها شكلا من أشكال الهدر الاقتصادي، والتسيب الإنتاجي، خصوصا عندما تطول عطلة بعض تلك الأعياد لأكثر من أسبوع كعطلة العيد مثلا. ورغم وجاهة ما يفكر فيه هؤلاء الاقتصاديون من زاوية الخسارة التي تلحق بالناتج المحلي الإجمالي نتيجة إغلاق المؤسسات الرسمية والخاصة والبنوك وغيرها أبوابها لفترة طويلة، وتأجيل إنجاز المعاملات قبيل تلك العطل وبعدها، لكن هناك من يرى جانبا آخر لا يقل أهمية وهو النشاط والحركة التجارية المصاحبة لها، والتي تستفيد منها قطاعات اقتصادية أخرى كقطاع السياحة والسفر، أو قطاع الحلويات والهدايا، أو قطاع المطاعم، أو قطاع مكاتب الصرافة وغيرها، وإن تفاوت وزن مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي. الإشكالية أن معظم الناس ورغم معرفتهم المسبقة بمواعيد العطل أو الإجازات، يظلون مترددين حتى اللحظة الأخيرة بخصوص توفير مستلزماتها أو كيفية استغلالها - ولأن الغالبية تفكر بهذه الطريقة - تزدحم الأسواق قبل بدايتها بساعات، لكأن الجميع تقريبا قد تذكر فجأة أن هناك عطلة، فأينما اتجهت أو قصدت يكون الازدحام سيد الموقف. أي أن المشكلة ليست بالعطل التي تلعب دورا إيجابيا في رفع الروح المعنوية وبالذات للعاملين، وهي تبعدهم عن روتين العمل الذي لا يوجد فيه أي تجديد على صعيد الأداء، أو الأفكار، أو المدخلات والمخرجات، أو التغذية الراجعة من الميدان، أو التطوير والتحديث، بل تكمن بغياب التخطيط المسبق لإنجاز مشروع صغير كالعطلة، وللأسف فهذا الغياب أحد أسباب إحساسنا الدائم بالمفاجأة عند وقوع أي حدث حتى لو كان معلوما، وبالتالي شعورنا بالاضطراب الذي نترجمه هدرا للوقت وللجهد وللإنتاجية، وهنا تكمن الخسارة الحقيقية والفعلية. فالذي لا يخطط يكون في عجلة من أمره كحال الكثيرين في تعاملهم مع عطلة العيد وغيرها من العطل التي تظهر غياب ثقافة التخطيط، مما يضعنا في مهب قرارات اللحظة الراهنة، لذلك فالخطأ ليس بالعطة ومدتها، إنما بآلية التعامل معها، وهو تعامل يشكل نموذجا لإدارتنا الاقتصادية التي أوصلت دولا عربية عديدة إلى حافة الإفلاس لغياب التخطيط والخطط البديلة للتعامل مع المستجدات، والتحديات، والمتغيرات، لتكون النتيجة المزيد من العجز في موازناتها، وتفاقم مديونياتها، وزيادة في معدلات البطالة لديها، وتراجع مستوى معيشة مواطنيها، ما يعني أنه لو أحسن وضع الخطط والسياسات والبرامج المناسبة للارتقاء بأداء العاملين، وزيادة إنتاجيتهم، وتحسين بيئة عملهم، لأمكن بكل بساطة تعويض خسائر التعطل قبل العطلة وبعدها، ولأصبحت لدينا ثقافة عمل وإدارة مختلفة. لذلك كله نحن لسنا بحاجة للتخطيط فقط، بل وللتخطيط الذكي، الذي يتضمن من بين أمور أخرى وضع سيناريوهات مختلفة لإدارة شؤون حياتنا في مختلف المجالات، فالعشوائية ومنطق اللحظة الأخيرة لم يعد مناسبا في عالم يتطلب النجاح فيه تفكيرا استباقيا، وردود فعل مدروسة.