استقطاب العقول.. حرفة الدول المتقدمة

سباق دولي كبير وتهافت غير مسبوق يمر به العالم وتبحث عنه الحكومات في سعيها الدائم نحو التقدم والتميّز، في السنوات الأخيرة ومع تزايد قيمة "الفكرة " بل ومع وجود تغيرات كثيرة تحيط ببيئة الاعمال نفسها أصبح لقسم "البحوث والتطوير" في الشركات أهمية كبيرة انتقلت فيما بعد لتصبح ثقافة عامة تؤمن بها الدول والحكومات بل وتبحث عمن استطاع اليها سبيلا، فسرعة التغير التي فرضتها وسائل الاتصال والتكنولوجيا الحديثة وبالتالي محاولات الدول في مجاراة هذه التحولات فرضت على كثير منها منطق الاستعانة بالمفكرين والمبدعين من الخارج خاصة في ظل البحث عن أفكار جديدة بعد استهلاك معظم طرق التفكير المحلية، بل وحتى فان هذه المتغيرات قد فتحت الباب امام حركة هجرة قوية تستهدف انتقال الشباب والمفكرين وأصحاب الطاقات المتميزة من مسقط رأسهم الفقير بالدعم والاحتضان الى دول ما وراء المحيط وهي التي تُغدِق عليهم ولو زيفا بالشهرة والعطايا، فهُم أصحاب العقول والابداع والاهم من كل ذلك هو ان دول العالم المتقدمة وبالرغم من وحشيّتِها ووَحشتِها المزعومين الا انها توفر بيئة خصبة للعمل وتُقدّم ولو لغاية في نفس يعقوب كل ما يحتاجه الشخص المُبدع لتنفيذ أفكاره وتحويلها الى واقع ملموس وهو ما تفتقده دول العالم الثالث، كل هذه المعطيات والأمور جعلت من عملية " استقطاب العقول" عملية مُنظّمة تقوم بها كل حكومات العالم كخطوة أولى في سعيها الحقيقي للتفوق والنجاح، وهنا يأتي السؤال المهم، فما هو استقطاب العقول؟ وكيف ولماذا يتم؟ وما هي فوائده وعيوبه؟ من الناحية العامة ولفهم معنى استقطاب العقول لا بد من معرفة ما يُطلق عليه "هجرة الأدمغة أو هجرة العقول" وهو مصطلح يطلق على هجرة العلماء والمتخصصين في مختلف فروع العلم من بلد إلى آخر بهدف البحث عن بيئة عمل خصبة أو التماساً لأحوال معيشية أو فكرية او مادية أفضل ولذلك فإنها عادة ما تكون من الدول النامية إلى الدول المتقدمة، هذا ومما هو جدير بالذكر ان الجمعية الملكية البريطانية هي من قامت بابتداع مصطلح «هجرة الأدمغة» وذلك لوصف هجرة العلماء من المملكة المتحدة إلى الولايات المتحدة وكندا في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، اما " استقطاب العقول " فهو مصطلح يُطلق على ما تقوم به الدول او الشركات من عملية توفير بيئة عمل مُنتِجة وسهلة وكذلك توفير جميع الميزات المادية والمعنوية المطلوبة من قِبل أصحاب العقول والمبدعين بهدف حثِّهم وتشجيعهم على الانتقال للحياة والعمل في شركة او دولة جديدة وذلك بهدف الاستفادة من انجازاتهم العلمية والعملية. وبالانتقال للحديث عن اهم أسباب هذه العملية فانه يمكن تلخيصها بما يلي: سوء الخدمات العامة المُقدّمة وعدم توفيرِ الدولة للتسهيلات والمزايا بل وفي بعض الأحيان الأساسيات التي يحتاجها الناس للقيام بأعمالهم (مثل الكهرباء او الانترنت مثلا) وهو ما يولِّد عادة شعور عدم الراحة والطمأنينة ويُحول الدولة الى بيئة طاردة لأصحاب العقول والمهارات الذين غالبا لا يستطيعون العمل او الابداع في ظل هذه الظروف الصعبة التي تتميز بعدم توفُّرِ الموارد الكافية لإجراء أي نوع من البحوث أو تطويرها. كذلك فان قلة توافر فرص العمل وبالتالي ارتفاع نسب الفقر والبطالة وهو ما يتسبب بقلة وندرة الفرص المُتاحة وهو أحد اهم أسباب الهجرة والانتقال للعملِ في الخارج، اضافة لطموح الكثير من أصحاب الأدمغة في تحسينِ مهنتِهِم أو إكمال دراستهم في ظل وجود تمايز في التعيينات والترقيات وهو ما يجعل الواسطة هي السلاح الأهم للنجاح والسبب الأول للترقية خاصة في ظِل وجود مناخ يميل لمحاربة الديموقراطية والحريات بهدف المحافظة على مكاسب الفوضى والفساد، وهو ما يساهم في مغادرة أصحاب العقول وبالتالي خسارة فرص ابداع نمو وتطور كانت وفي كثير من الأحيان لتغير وجه هذه الدول واقتصاداتها. واخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي فإن عملية استقطاب العقول وهجرة الادمغة وبالرغم من سيئاتها المتنوعة على الدول التي تهاجر منها هذه العقول الا أنها نتيجة حتمية لجو عام من عدم الاكتراث واستصغار بعض الحكومات لشعوبها بل وحتى لانتشار بيئة مخيفة من الفساد والتسلط الذي تمارسه بعض الدول والحكومات بحق أبنائها، وبالتالي فإنها ضرورة وان لم تكن مثالية للتطور البشري ولتمكين سلاسل الابداع من التمدد والانتقال بين الشعوب، ولنا في المبدعين والعلماء ورجال الاعمال وحتى الرؤساء الغربيين الذين هم من أصول عربية خير دليل على ذلك، وهنا أتذكر حديث "محمد صلاح" اللاعب المصري والعربي الأبرز في أيامنا هذه في احد لقاءاته حين تحدث عن بداياته وكيف ان احد اهم الأندية المحلية قد رفض انضمامه له بحجة انه يحتاج الى وقت للتطوّر وهو الحدث الذي استغله فريق "بازل السويسري" لضم اللاعب الذي بدأ مشوارا تاريخيا يقف فيه الان كأيقونة لاحد اعرق النوادي الإنجليزية "ليفربول" حيث تهتف جماهيره يوميا " مو صلاح، الملك المصري".