تطوير التنبؤ الاقتصادي

هنالك دول تنجح سياسيا واقتصاديا وأخرى تفشل لأسباب لا تظهر علنا. المبررات تكون غائبة أو غير ظاهرة لكنها لا بد وأن تكون موجودة. معرفة أسباب النجاح كما ظروف الفشل أساسية لتجنب الخسائر وتقوية الفوائد أو تعزيز حصولها. من أهم ما يحاول الاقتصاديون فعله هو تنبؤ الأوضاع المستقبلية للاقتصادات المختلفة. غالبا ما نخطئ ليس فقط بسبب صعوبة العمل وانما خاصة لمحاولتنا الاتكال على الماضي لتنبؤ المستقبل. بالرغم من الأخطاء الواضحة والمثبتة، علم التنبؤ يبقى مطلوبا من جميع القيادات السياسية والاقتصادية لعله يضيف بعض الضوء الى المستقبل المجهول. اذا كان من غير الممكن توقع المستقبل بدقة، هنالك مؤشرات يمكن الاتكال عليها لتوقع تحسن أو سقوط الأوضاع مستقبلا. التنبؤ القريب يبقى أصعب من البعيد المدى حيث تتغير الأمور لتلغي بعضها البعض نتيجة التطورات في الأسواق.     من الضروري أن نكون مقتنعين بأن للاقتصادات مسيرات مختلفة ومتقلبة أي هنالك عوامل مؤثرة مشتركة كما أخرى فريدة وقوية لها طابعها الاقليمي أو القطاعي. لذا يجب أن يعتمد التنبؤ على كل هذه العوامل لتخفيف الأخطاء. تمر كل الاقتصادات في فترات ازدهار وهبوط ربما دورية تترك آثارا واضحة على النتائج. هنالك أمثلة عدة لدول كانت ناجحة وسقطت. الفيليبين مثلا، كانت في الستينات مضرب مثل للنجاح الاقتصادي. لذا اختيرت كمقر للبنك الاسيوي للتنمية كشهادة بل اعتراف عالمي بنجاحها الفريد. سقطت الفيليبين فيما بعد بسبب السياسات الخاطئة كما بسبب الفساد الكبير الذي عانت منه بدءا من حكم الرئيس السابق فردينان ماركوس. لبنان كان من الدول الناجحة جدا حتى سنة 1975 وكان مضرب مثل للاقتصاد الحر الفاعل. أتت الحروب من أهلية وغيرها بالاضافة الى الفساد الكبير وسوء الادارة لتسيء جميعها الى واقع ومستقبل البلد. من منا لا يذكر دولة الاتحاد السوفياتي ومئات الدراسات التي توقعت أن اقتصادها سيكون الأكبر والأفعل في العالم بسرعة. ماذا كانت النتيجة؟ سقوط الاتحاد السوفياتي وتحويله الى دول عدة مستقلة أهمها روسيا. معظم مراكز الأبحاث توقعت بدأ من سنة 2000 ومع ازدهار ما سمي ب"الاقتصاد الجديد" أن يستمر النمو العالمي وأن لا عودة الى الركود والانحدار. فالطريق عالميا هي في اتجاه واحد صعودي. لهذه الأسباب توقعت الدراسات أن تلتقي اقتصادات الدول الناشئة مع الصناعية خلال عقود وأن يغيب الفقر الشديد عالميا. ماذا حصل؟ ازداد التباعد بين المجموعتين الصناعية والناشئة كما أن الفقر غزا ليس فقط الدول الفقيرة وانما بعض جوانب الدول الغنية أيضا. تلاشى التفاؤل بشكل كلي عندما بدأت أزمة 2008 أي الركود الكبير وتضرر الاقتصاد العالمي كثيرا. أما اليوم ومع الحرب الأوكرانية وانعكاساتها السيئة على التضخم، لا بد وأن نكون قلقين تجاه الحاضر وخاصة المستقبل اذ لا نعلم حدود هذه الحرب أي تبقى اقليمية أم تصبح عالمية. لا ضوابط جدية عليها في غياب أي دور فاعل للأمم المتحدة ومنظماتها.