تراجع الموارد الخارجية وتدهور الجنيه المصري

تشهد مصر عجزا مزمنا بالميزان التجاري السلعي لأكثر من خمسين عاما متواصلة، ونظرا لاستحواذ الواردات السلعية على النسبة الأكبر من مدفوعات النقد الأجنبي، فقد ظل ذلك يضغط على سعر صرف الجنيه المصري تجاه العملات الأجنبية، وخاصة الدولار الأمريكي، العملة الأكثر استخداما بالتجارة الخارجية، وبالتحويلات وبالاحتياطيات. وكانت النتيجة انخفاضا مستمرا بقيمة الجنيه أمام الدولار، فبعد أن كانت قيمة الجنيه المصري تساوي خمسة دولارات أمريكية عام 1939، أصبح يساوي أربعة دولارات من عام 1940 وحتى 1949، ثم أصبح الجنيه يعادل دولارين ونصف الدولار حتى 1988، وظلت قيمة الجنيه أكبر من الدولار حتى 1990. وبعد ذلك بدأت رحلة الهبوط بقيمة الجنيه أمام الدولار، لتأخذ الصورة شكلا عكسيا، حيث أصبح الدولار يساوي ثلاثة جنيهات حتى عام 1992، ثم أصبح يساوي أربعة جنيهات عام 2002، ثم ستة جنيهات عام 2004، ثم حوالي تسعة جنيهات بالوقت الحالي. وظل الفائض بميزان الخدمات القادم من السياحة وعائدات قناة السويس يعوض العجز بالميزان التجاري، بالإضافة إلى تحويلات المصريين بالخارج، وفي بعض السنوات كان الاستثمار الأجنبي المباشر يساهم أيضا، مما نتج عنه وجود فائض بالميزان الكلي للمدفوعات، انعكس على تصاعد الاحتياطيات من العملات الأجنبية. وتحققت تلك الفوائض بميزان المدفوعات بالفترة من 1991 وحتى 1997، ثم جاءت مشكلة جنوب شرق آسيا ومقتل السياح بالأقصر لتقل الموارد وتنخفض الاحتياطيات إلى 14 مليار دولار عام 2002. ثم كانت مرحلة أخرى من الفوائض بميزان المدفوعات من عام 2004 وحتى 2010 حتى بلغت الاحتياطيات 36 مليار دولار، ثم تسبب تدهور الأوضاع مع ثورة الخامس والعشرين من يناير في تناقص موارد النقد الأجنبي حتى انخفض الاحتياطي إلى 15 مليار دولار عام 2012. وبعد مرحلة الثالث من يوليو 2013 أنقذت المعونات الخليجية الموقف لمدة عام ونصف العام، وبانقطاع المعونات الخليجية مع بداية عام 2015، واستمرار تدهور موارد السياحة والاستثمار الأجنبي بنوعيه، وقناة السويس والصادرات، شهد سعر صرف الجنيه تدهورا حادا. ولم تفلح إجراءات البنك المركزي الإدارية المتعددة في إيقافه، بما يشير إلى توقع استمرار أزمة سعر صرف الجنيه المصري، حتى يعود الانتعاش مرة أخرى إلى موارده الأساسية: الصادرات والتحويلات والاستثمار والسياحة والقناة.