مشاريع ومدخرات وقروض عصفت بها أعاصير كورونا

تحولت جائحة «كوفيد 19» إلى إعصار جامح لم تترك وراءها نشاطا تجاريا حتى وإن كان قد اكتسب كل دعامات النجاح، ولا طموحا إنسانيا مشروعا احتشد بالإرادة والبراعة والابتكار والمحفزات التي يتطلبها، ولا مدخرات وجهت لإنشائه وتنفيذه وتحقيقه، أو قرضا بنكيا لتطويره وتوسعته وتنميته إلا وأتت عليه فدمرته أو كادت، وحولت منفذيه وملاكه ومن ابتكره إلى معسرين يعانون الفاقة والمحاكمات ومواجهة عقوبات السجن وإعلان الإفلاس، خاصة تلك المشاريع والأعمال والخدمات المرتبطة بقطاع السياحة كالمطاعم والمقاهي والفنادق ومكاتب النقل السياحية وشركات الطيران.. وكذلك أنشطة الحلاقة والخياطة وغسيل الملابس وقاعات الأفراح التي تقدم خدماتها خاصة للمناسبات الشعبية مثل الأعراس والعزاء والاحتفاء بأعياد الميلاد وتنشط في المناسبات الدينية «رمضان والعيدين»... والتي كانت الأكثر تضررا وعانت من الإغلاق والحجر والحظر والإجراءات الاحترازية ومنع السفر وتراجع حركة السياحة بنسب عالية جدا... لقد استثمر الكثير من العمانيين في القطاع السياحي مستعينين بالقروض البنكية ومدخراتهم القليلة، في ترميم الحارات القديمة وتحويلها إلى نُزل ومقاهٍ ومطاعم ومتاحف، وفي بناء الفنادق وتخصيص وسائل نقل وعربات سياحية داخل القرى والمواقع السياحية وتوفير مختلف الخدمات في الأماكن والمعالم والمواقع التي يرتادها السياح، وكل ما يرتبط بهذا القطاع الواعد، الذي جاء ضمن أولويات الحكومة في الدعم والتشجيع والتحفيز وأعلنت عنه الخطط والبرامج المقرة لتعزيز الموارد وإنجاح سياسات التنويع، وعمان بلد سياحي متنوع، وتمتاز بمفردات تغطي جميع أذواق ومتطلبات السائح، وبعد التأثر العميق والضرر الشديد الذي أصاب الاقتصاد من الإجراءات التي اتخذت لمواجهة جائحة «كوفيد 19» توالت المصائب والكوارث على كل من استثمر في القطاعات المرتبطة بالسياحة خاصة أولئك الذين فتحوا مشروعاتهم وأعمالهم في بدايات عام 2020 أو حتى في 2019، أي مع بوادر تفشي الجائحة ولم يسجلوا بعد أية أرباح ولم يسددوا شيئا من القروض ولا جاء في بالهم ولا في تنبؤات أي من الخبراء والمؤسسات العلمية المتخصصة ولا في دراسات الجدوى التي أعدوها احتمالية تعرض العالم لهذا النوع من الجوائح التي لم يشهدها في عصره الحديث، فتوالت القصص المريرة واحتشدت الاتصالات ووسائل التواصل بالمواقف والنماذج لمشاريع وأعمال وآمال وطموحات عصفت بها الجائحة، وقادت أصحابها إلى براثن السجون والمستشفيات والأمراض النفسية والإحباطات والفقر، أحد أصحاب هذه المشاريع كان يعمل خبيرا في شركة كبيرة براتب يتجاوز الـ «3000» ريال عماني، وعندما تقاعد في بدايات 2019م، تدارس مع أفراد أسرته، الشروع فورا بعد أن تفرغ لتحقيق حلمهم في إنشاء وإقامة مطعم متميز يقدم لرواده أطباقا فاخرة تمثل ثقافات ومجتمعات متعددة ويلبي مختلف الأذواق، ويشكل علامة تجارية بارزة تكون له سمعته المحلية والعالمية عبر خطة تسويقية مدروسة ومحكمة، وبحيث يقصده المرتادون من الداخل والسياح من الخارج، ومشروع بهذا المستوى والحجم يحتاج بالطبع إلى رأس مال ضخم، ومدخراتهم لا تكفي لوحدها بدون قرض يمثل ما نسبته 50% على أقل تقدير، بعد تدارس المشروع وإعداد الجدوى المطلوبة، تقدم الرجل بطلب قرض وأنهى متطلبات وإجراءات المشروع ووفر له عددا من الطهاة المهرة والنادلين والموظفين، وبعد أشهر من افتتاحه، أغلق المطعم تنفيذا للإجراءات الوقائية المتخذة لمنع تفشي «كوفيد 19»، لم يستمر طويلا بعدها حتى أعلن عن إفلاسه فتبخر المشروع ومعه الحلم والمدخرات وعجز صاحبه عن تسديد القرض، وما زال يعاني هو وأسرته حاله كحال عشرات الملايين من الناس حول العالم الذين عصفت بمشاريعهم وطموحاتهم أعاصير كورونا.