السياسة النقدية.. وتغيير أسعار الفائدة

معدلات أسعار الفائدة البنكية، معدلات تتغير باستمرار فحينا ما نسمع بارتفاعها واحيانا أُخرى نقرأ عن انخفاضها، هي ليست مجرد ارقام تتمرجح صعودا وهبوطا بل هي معدلات مهمة جدا قد تقلِب الاقتصاد لأي دولة رأسا على عقب فتطيح بقيمة عُملتِها أو ترفعها للسماء، وهي وبالرغم من صِغْر هامش تحركاتها والذي غالبا ما يُقاس بأجزاء من النسبة المئوية، الا أنها قادرة وبأي وقت على أن تخلق الفجوات بل وتزيد من اتساعها بين الطلب والعرض وهو ما قد يُحرِّك معدلات النمو ونسب التضخم او هو أيضا من قد يكبح لجامها، نعم معدلات أو أسعار الفائدة البنكية هي أحد أهم أسلحة السياسات النقدية لأي حكومة وهي أيضا الأداة الأكثر فتكا بارتفاع الأسعار والاسرع تأثيرا على المستهلكين، وهنا يأتي السؤال المهم، فما هي السياسات النقدية وما هي أهميتها وكيف ترتبط بأسعار الفائدة؟ وما هي العلاقة بينهما؟ أولا ومن الناحية العامة وقبل كل شيء فإنه يمكن تعريف السياسة النقدية على أنها أحد اهم مكونات السياسات الاقتصادية للدول والحكومات، فبالرغم من وجود كثير من الحالات التي تتعارض فيها أهداف السياسة النقدية مع بعض السياسات الاقتصادية الأخرى، إلا أن الجميع يتفق أنها وعبر هدفها الرئيسي والمُتمثل في خلق حالة من الاستقرار في أسعار الصرف الخاصة بالعملة الوطنية للدولة تمهيدا للوصول لمستوى الأمان المطلوب من الاستقرار السعري والاقتصادي غالبا ما تكون حجر الأساس واللبنة الأولى لبناء استقرار اقتصادي حقيقي ودورة اقتصادية استثمارية جاذبة، على أن يتم ذلك من خلال تأثير هذه السياسات النقدية الهام والمباشر على عوامل أساسية يأتي في مقدمتها معدل الانفاق الكلي وأحجام الطلب والعرض على الكتلة النقدية في المجتمعات، وهو ما يساهم بشكل واضح في تحريك معدلات التضخم ونسب النمو لهذه الدول، وانطلاقا من هذا المبدأ وايمانا بأهمية ودور السياسات النقدية في دورات الشعوب والدول الاقتصادية وبحثا عن تحقيق استقرار اقتصادي يدعم معدلات نمو حقيقية ويهدف لإيجاد فرص عمل جديدة ومُتجدِّدة فقد كلّفت معظم (ان لم يكن كل) حكومات العالم مصارفها المركزية حصريا بإقرار وتنفيذ ومتابعة هذه السياسات، فالنقود وهي طريقة الدفع الأولى في العالم وبالرغم من طبيعتها المُتقلِّبة والغير ثابتة والتي تخلق نوعا من المخاطرة في حال انخفاض قيمتها الا أنها تبقى أفضل وأسهل وأسرع من عمليات التبادل والمُقايضة التي غالبا ما تواجه مشاكل تتعلق بالحيازة والنقل وحتى صلاحية الاستخدام، وهو الامر الذي كان سببا أساسيا لوجود سياسات نقدية تحافظ على قيمة المال وتُقلِّل من تقلباته المُحتملة وذلك عبر مجموعة سياسات وإجراءات تُديرها البنوك المركزية وتراقبها الحكومات ليتأثر بها كل من الأفراد والشركات وحتى المؤسسات لاحقا.  هذا وتجدر الإشارة هنا الى ان أنواع السياسات النقدية تتمثل في نوعين: النوع الأول وهو (السياسات النقدية التوسعية) والتي غالبا ما تُستخدم عند الركود ويكون الهدف منها زيادة مستويات المعروض النقدي، بالإضافة لخفض أسعار الفائدة وذلك بهدف تشجيع القطاع المصرفي على التوسع في عمليات التمويل والإقراض الخاصة بالاستثمارات والمشاريع وهو ما يدعم ويُشجِّع المستثمرين على التوسع في أعمالهم الحالية وكذلك على البدء بأعمال ومشاريع جديدة، وهو ما يساعد لاحقا على رفع الناتج المحلي وخلق المزيد من فرص العمل، أما النوع الثاني من السياسات النقدية فهو (السياسات النقدية المُتشدِّدة) والتي غالبا ما تُستخدم في فترات الرواج الاقتصادي المُرتفع والذي غالبا ما ترافقه ضغوطات تضخمية في الأسعار وهو ما يُسبِب ارتفاعا غير محمود في السعر لمعظم السلع والمنتجات، الأمر الذي غالبا ما تواجهه الدول بتقليل المعروض النقدي ورفع أسعار الفوائد وذلك لهدفين إثنين أولهما رفع تكلفة القروض وبالتالي حث المقترضين على التوقف عن عمليات الاقتراض وثانيهما اغراء من يملك الاموال النقدية بإيداعها في البنوك بهدف حصوله على عوائد مُجزِية تتمثل بالفوائد السنوية المُرتفعة وهو ما يؤدي مُستقبلا الى تقليل المعروض النقدي وسحب الأموال من الأسواق وبالتالي كبح لجام عمليات الشراء والطلب وهو ما يُعرِّض الأسعار للضغط ويعيدها للانخفاض، ولنا في سياسات رفع معدلات الفائدة في معظم دول العالم بعد الفوائد الصفرية على الودائع خلال أزمة كورونا خير مثال على تلك السياسات وتأثيراتها سواء كانت التوسعية أو المُتشدِّدة منها. واخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي وبالرغم من ان السياسات النقدية هي الوسيلة الأقوى والأنجح لمواجهة مخاطر التضخم وارتفاع الأسعار إلا أنها وفي بعض الأحيان قد تقف مكتوفة الأيدي أمام ظروف عامة محيطة بكل من تكاليف الإنتاج المختلفة أو أسعار موارد الطاقة والنقل، فعملية زيادة الأسعار الناتجة عن ارتفاع السيولة وزيادة الطلب لا تشبه بجميع تفاصيلها زيادة الأسعار بسبب شُح المعروض وارتفاع تكاليف الإنتاج، وإن كان كلاهما حتما سيتأثر بالسياسات النقدية الا أنه وبدون أدنى شك فإن الحالة الأولى ستكون أكثر وضوحا في ردة فعلها على تحركات معدلات الفوائد المصرفية للعملات من الحالة الثانية والتي تحكُمُها العديد من المتغيرات، وهنا أتذكر مقولة" ديف رامزي" المستشار المالي الأمريكي الشهير حين قال "يجب أن تتحكم في أموالك والا فسوف تتحكم بك قلة الأموال إلى الأبد".