أن تكون غنيا بلا أموال

يعتقد كثير من الناس أن زيادة الدخل حل جذري لما يعانونه من أزمات اقتصادية وهذا اعتقاد يجانبه الصواب لأن زيادة الدخل عندما تقترن بزيادة أكبر في المنصرفات تكون وبالا على صاحبها وتجعله يغرق في مزيد من المشاكل والأزمات والصحيح هو السعي بجدية لزيادة الدخل وتقليل المنصرفات. الأمر مرتبط بمفاهيم اقتصادية مؤثرة في حياة الناس اليومية لا يعيها كثير من الناس أهمها سيادة النزعة الاستهلاكية في المجتمع فالخطاب الإعلامي والاجتماعي يزين للناس باستمرار شراء سلع وخدمات أكبر بكثير من احتياجاتهم الفعلية وهذا بدوره يؤثر تأثيرا بالغا وعميقا على كل أفراد المجتمع بمختلف شرائحهم وطبقاتهم الاجتماعية والاقتصادية فالغني والفقير أصبح يريد الاستمتاع بكل ما هو معروض بشكل متزايد من سلع وخدمات بغض النظر عن حاجته الفعلية لتلك السلع والخدمات وبغض النظر عن قدرته المالية على الوفاء بما تفرضه عليه من التزامات. هناك أمثلة عديدة لأشخاص ينفق الواحد منهم ما لا يقل عن 60% من دخله على بنود يمكن الاستغناء عنها والحياة من دونها وتجده في حالة استدانة دائمة للوفاء بالضروريات من أكل وشرب وإيجار وعلاج وتعليم والتي لم تترك لها (الفارغات) نصيبا من الدخل الفعلي. وواحدة من ميادين محاربة هذه العادات الضارة هي الصمود في جبهة مقاومة النزعة الاستهلاكية المستشرية وأنه من دون ذلك سوف لن نتمكن من تحقيق أي انتصار اقتصادي أو خلافه. الإنسان الذي ينجح في مقاومة النزعة الاستهلاكية وفي زيادة دخله الشخصي بذات الوقت يصل أولًا إلى نقطة توازن بحيث يكون دخله مساو لمنصرفه. فإذا استمر في هذه المقاومة فإنه يبدأ في تنمية وتقوية وزيادة ما يسمى بحريته المالية وتعني قدرته على إنجاز تقدم في حياته في المجالات التي تتطلب تكلفة ماليًا مثلا يستطيع تطوير ذاته أكاديميا ومعرفيا، يستطيع أن يقوم بأسفار نافعة، يستطيع أن ينمي قدراته وأوضاعه المهنية، يستطيع الحصول على وقت أكبر للاستجمام واستعادة النشاط والأهم في كل ذلك أن يتعامل مع النقود باعتبارها وسيلة وعامل مساعد لتحقيق مشاريعه وطموحاته وليست غاية ومشروعا وطموحا في حد ذاتها. لا مندوحة في أن (يبحبح) الإنسان على نفسه أو زوجته بمصروفات وهدايا ومقتنيات كمالية للمحافظة على دفء المشاعر وحيوية العلاقة مع الحياة والآخر، ولكن في الوقت نفسه علينا أن لا نبسط يدنا كل البسط فنقعد ملومين محسورين. هناك فرق بين أن تكون متقشفا وأن تكون فقيرا، فالفقير لديه رغبات لا تنتهي ويحتاج إلى الكثير الذي لا يجده، أما المتقشف فقد يكون في غاية الغنى ويملك الكثير، ومع ذلك تجد طلباته بسيطة ورغباته سهلة، أي أنه حر من عبودية الأشياء فلا شيء في العالم يجعله يتحسر إذا فقده، وليس مدمنا على شيء يحزنه خسرانه. هو يملك العالم لأن العالم لا يملكه.