يواجه المواطن الخليجي محدود الدخل الذي يعتمد على مصدر واحد لا غير هو الراتب الشهري، راتب وظيفة، ضمان اجتماعي، أو تقاعد... مشكلة خطيرة تهدد القيمة الحقيقية لهذا الدخل، وتئد الكثير من طموحاته وتنسف خططه المستقبلية التي وإن بدت بسيطة إلا أنها تعكس مستوى ودرجة معيشته وعدد الريالات التي يأخذها في نهاية كل شهر.. وأخيرا تقضي على قيمة مدخراته، فالمواطن الذي بدأ يدخر الريال على الريال من أجل تحقيق حلمه في بناء منزل يلم شمله وأسرته أو شراء سيارة أو استثمار صغير في مجال عقاري أو في سوق الأوراق المالية يضمن له مصدرا آخر يعزز دخله البسيط إنما يدخره على حساب الكثير من الاحتياجات التي يحرم منها نفسه وأفراد أسرته، لكن الارتفاع المتواصل للأسعار الذي شمل كل شيء من السيارة مرورا بمواد وتكلفة البناء وانتهاء بالمستلزمات الاستهلاكية الأساسية يقف عقبة كأداء أمام التطلعات وتحقيق الغايات، وقاد المواطن إلى تجاوز البنود التي حددها لتلبية الاحتياجات الشهرية الثابتة، بل وأتى على البند الزهيد المخصص للادخار، وألجأه فوق ذلك إلى الاقتراض متعدد الأوجه. وتشير البيانات الصادرة عن المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، بأن (أسعار المستهلكين لدول مجلس التعاون الخليجي قد سجلت ارتفاعا في شهر أكتوبر 2017م بنسبة 1.3% مقارنة مع مستواها في نفس الشهر من العام السابق. وأبرز المجموعات التي شهدت ارتفاعًا هي: مجموعة السلع والخدمات المتنوعة بنسبة 3.7%، ومجموعة التعليم بنسبة 3.0%، ومجموعة النقل بنسبة 2.0%). إن السياسات والقرارات المتخذة بشأن رفع الدعم عن الوقود وزيادة الضرائب والرسوم، وتطبيق (الضريبة المضافة) في بعض الدول الخليجية وتأجيلها في عدد منها، فرض على المواطن الخليجي النظر إلى المستقبل من زاوية الخوف على أوضاعه المالية، أولا: من حيث ضمان استقرار الدخل على الأقل إن لم يتمكن من زيادته والذي يتضاءل مع ارتفاع السلع، ثانيا: حركة الأسعار المتصاعدة التي لم تعرف السكون والثبات منذ سنوات وهو ما يعوزه في الأساس إلى الجشع الذي أصاب التجار ورجال الأعمال والشركات وملاك العقار واستغلالهم للظروف والتقلبات، ثالثا: مشاهداته للأغنياء وقد حولتهم الحياة المادية إلى أفراد غلبت على سلوكياتهم المصلحة الفردية وسيطر على عقولهم الشغف بالمال وانصرافهم إلى ملء خزائنهم بالريالات على حساب احتياجات الفقراء والبسطاء الذين حاصرتهم الديون والتهم جنون الأسعار ومن يتحكم فيها جل جهودهم في الكدح والعمل وتحكمت في بنود مصروفاتهم وأتت على مدخراتهم بعد أن تضاعف سعر السلعة الواحدة لأكثر من مرة في فترة وجيزة، فالسلع الاستهلاكية على سبيل المثال التي يشتريها الإنسان البسيط بقيمة خمسين ريالا قبل أعوام قفزت إلى أكثر من مائة ريال عماني. إن تضاؤل القوة الشرائية بسبب ارتفاع الأسعار المستمر سوف يفضي إلى آثار خطيرة، اجتماعية واقتصادية وأمنية، وإلى تهديد الطبقة الوسطى عماد المجتمع التي يتناقص عددها ولو تواصلت أسعار السلع في الارتفاع بهذه النسب التي تدمي قلوب البسطاء من الناس دون أن تعمل جهات الاختصاص بما يلزم لمعالجة المشكلة والتصدي لها، متجاوزين مرحلة التصريحات والتبريرات، فإن المواطن سوف يواجه واقعا صعبا جميعنا يدرك نتائجه الخطيرة، من هذا المنطلق فيجب الإسراع في إيجاد حلول عملية لضبط الأسعار في السوق أو تحسين الدخول أو دعم السلع الأساسية أو جميع ذلك.. وهي حلول لا غنى عنها لعلاج المشكلة.