التمويل الإسلامي هل هو الدواء؟

يعتبر التمويل عنصراً أساسيا في منظومة التنمية الاقتصادية بجميع دول العالم، بل إنه يعتبر الأهم في بعض الدول التي لا تستطيع استغلال مواردها الاقتصادية بالصورة المخطط لها نتيجة للمشاكل التمويلية التي تعاني منها، وقد شهد التمويل الإسلامي منذ العقدين الأخيرين من القرن الماضي وحتى الآن اهتماماً كبيراً من قبل الحكومات والمؤسسات المالية والمستثمرين والشركات والجامعات ومراكز البحث العلمي وقد انعكس ذلك الاهتمام على الإقبال على بعض المنتجات المصرفية الإسلامية كأدوات تمويلية جديدة، من بينها الصكوك في العديد من بلدان العالم الإسلامي كما هو الحال في ماليزيا وباكستان وتركيا والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت والبحرين والسودان، وكذلك بعض البلدان غير الإسلامية وفي مقدمتها ألمانيا وبريطانيا وسنغافورة وغيرها. وفي الوقت الذي لازم الاهتمام الدولي بالمنتجات التمويلية الإسلامية عانت دول العالم من أزمات مالية عنيفة طالت معظم الأسواق المالية العالمية، فمن أزمة المكسيك عام 1994م إلى الأزمة المالية الآسيوية عام 1997م إلى أزمة البورصات العالمية والعربية وخاصة الخليجية عام 2006م إلى تفاقم أزمة الائتمان والرهن العقاري في الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2008م، ثم أزمات ديون اليونان في عام 2011م و2012م والأزمة الاقتصادية في إيطاليا في عام 2013 والأزمة الاقتصادية في أسبانيا في عام 2014م وغيرها، ويبدو أن هذه الأزمات لن تكون الأخيرة. وقد أدت هذه الأزمات إلى حالة من الاضطراب والخوف والفزع في هذه الدول، كما أنها ما زالت تمثل هاجساً وكبوسا مخيفا من احتمال تكرر عودتها مرات أخرى. أما أسباب هذه الأزمات فقد تنوعت من المعاملات المالية غير المنضبطة وفي مقدمتها التوسع في القروض وضخامة سوق المشتقات المالية والمضاربات الوهمية على العملات والأسهم والرهونات العقارية وقد أدى ذلك كله إلى نمو الاقتصاد المالي بمعدلات كبيرة لا تمثل بشكل حقيقي الاقتصاد العيني وكذلك خروج النقود عن طبيعتها، فأصبحت وظائف النقود هي ولادة النقود ونتيجة لذلك انطلقت الأصوات الآن وبقوة في معظم دول العالم تنادي باستخدام أدوات تمويلية جديدة وخاصة الأدوات التمويلية الإسلامية كبديل للمنتجات التمويلية المستخدمة في الوقت الحالي وذلك لتحقيق الاستقرار المالي والنقدي، فلا مكان لأسعار الفائدة المحددة للتمويل اللهم إلا للفائدة الصفرية ولا مجال لكل ما هو وهمي وبذلك يصبح البديل الإسلامي للقروض هو المشاركات والصكوك وغيرها مطلبا ملحا للتطبيق السريع كأدوات تمويلية جديدة تعمل وبشكل كبير في التغلب على المشكلات المالية والهيكلية التي تعاني منها المؤسسات والشركات، فضلاً عن مشاكل المالية العامة التي تعاني منها بعض الحكومات. إن تغيير الفكر التقليدي في التمويل والانتقال إلى الفكر الإسلامي سيؤسس لاقتصاد حقيقي قائم في جزء كبير منه على المشاركة الحقيقية لجميع عناصر الإنتاج، كما أنه سيجعل من التمويل الإسلامي دواء شافيا للاقتصاديات التي تعاني من سرطان الديون وزيكا الأزمات المالية. وأخيرا فإن العالم العربي والإسلامي مطالباً قبل غيره بأن تستفيد كياناته ومؤسساته وحكوماته من التمويل الإسلامي القيمي لتنعكس وبشكل إيجابي وسريع على دوران وتيرة التنمية الاقتصادية، فلا يتخيل عاقل أن يموت أحد من البشر عطشا وينابيع المياه العذبة تحيط به من كل جانب وكذلك أنهار المعرفة الاقتصادية التي تستقي أصولها من أعظم المصادر المعرفية.