المعروف أن الأزمات المالية تحصل دوريا وتسبب الخسائر، الأزمات هي سقوط الأسعار في العقارات والأسهم وكافة السلع والخدمات بسرعة ونسب عالية. من قال أولا إن الأسعار المتداولة تعبر فعلا عن أسعار الأصول أو السلع وأنها ليست منتفخة أو مرتفعة. عندما لا تعبر الأسعار عن القيمة الحقيقية، من الطبيعي أن ترتفع أو تسقط فجأة. ما يحصل اليوم بشأن أسعار «البيتكوين» مدهش ومخيف ومن الممكن أن يسبب خسائر كبرى لهواة الأسواق وهم عموما أول الخاسرين. ما يميز «البيتكوين» عن بقية العقود المماثلة أنها غير مرتكزة على سلعة واضحة أي ذهب أو نحاس أو قمح أو ذرة، بل لها قيمة معنوية ونفسية غير واضحة. هل هنالك مشكلة في الأسواق العادية وهل تعبر أسعارها عن «ندرة» السلع والخدمات. هل تتحرك الأسعار ارتفاعا أو انخفاضا أكثر بكثير من المنطق أي مما تفرضه التغيرات العادية في عوامل العرض والطلب؟ هل تساهم الأسواق في تعزيز المنطق في تصرفات عملاء السوق أم أن العكس صحيح؟ هل أن التصرف غير المنطقي في السوق يضر بصاحبه أم العكس صحيح؟ تشير الإحصائيات إلى أن من يتصرف بتهور أو يغامر يربح في العديد من الأحيان ويخسر مرات أخرى. هل يتعلم الإنسان دائما من أخطائه أي يخسر مرة ويربح فيما بعد؟ لا تشير الوقائع إلى التعلم من التجارب خاصة إذا كانت تكلفة التعليم مرتفعة أي دراسة طويلة وتدريب باهظ التكلفة. تشير الوقائع إلى أن من جرب حظه في السوق وخسر، يحاول مجددا. تقول العلوم الاقتصادية الأساسية إن الأسعار تعكس كل المعلومات المرتبطة بعاملي العرض والطلب. في الحقيقة المعلومات ليست دائما متوافرة بسرعة وبشكل كامل وصحيح، مما يسبب خضات كبرى وخسائر أكبر. فالأسواق لا يمكن أن تعطي دائما نتائج أفضل، إذ غالبا ما تكون هنالك عوائق تعرقل توازنها. من هذه العوائق صعوبة التواصل بين الأسواق الجغرافية المختلفة مما يسبب حصول أسعار مختلفة لنفس السلع، وهذا ما ترفضه الأسواق الشفافة الفاعلة. كما أن عملاء السوق لا يتصرفون دائما بالشكل الجيد والمنطقي المتوقع منهم. هنالك مثلا من ينفق الكثير دون حساب أو من يشرب أو يدخن أو يأكل الكثير فيضر صحته. هنالك من يتعب كثيرا لجني الدخل القليل وثم ينفقه على حاجات غير ضرورية ومضرة. تقول العلوم الاقتصادية الأساسية إن الإنسان منطقي ويسعى دائما للفوز. تقول إن الإنسان يملك إرادة قوية وأناني إلى أقصى الحدود. الاقتصادي «هربرت سايمون» كان أول من اعترض على هذه الافتراضيات ووضع نظرية «المنطق المحدود» مما ساهم في حصوله على جائزة نوبل للاقتصاد لسنة 1978. من نتائجها أن الإنسان يتصرف أحيانا بمنطق مقبول وليس مرتفعا أي يمكن أن يكون الإنسان متفائلا أو متشائما، له ثقة كبيرة بنفسه تنعكس على تصرفاته في السوق وفي الحياة. طبيعة الإنسان معقدة إلى أقصى الحدود وتصرفاته يمكن أن تكون غريبة ومفاجئة.