رأسمالية الكوارث

خلال مشاركتي في العام 2013م، ضمن وفد رسمي برلماني إلى الكويت، كتبت عن الإسهامات الفكرية والعلمية والثقافية التي قدمتها دولة الكويت و(أضاءت سماء الوطن العربي خلال العقود الماضية، حيث لا تزال المؤسسات والمراكز الإعلامية والبحثية والأكاديمية الكويتية تغذي بها المواطن العربي منذ نعومة أظافره وحتى مرحلة الكهولة، وغدت الكويت لؤلؤة العرب وعاصمتهم الثقافية توأم الروح ومقصد الفؤاد لكل من نشد المعرفة وارتحل في طلب العلم، ولمن ابتغى علياء المجد ورغب في أن يكون ذا شأن وحظوة في المستقبل، فإن كان طفلا يتغذى المعرفة ويخوض عباب المغامرة ويقتدي بالمبدعين من كافة دول العالم الذين يلتقيهم عبر صفحات «العربي الصغير، أو افتح يا سمسم»، أو شابا ينهل العلم والثقافة والأدب ويأخذ من تجارب الحياة زادا فكريا ومعرفيا من مجلة «العربي»، أو مفكرا مثقفا عالما أستاذا يبحر بأشرعته الفكرية عباب «عالم المعرفة»، التي قدمت في أعدادها الشهرية خلاصة فكر وثقافة وعلوم المبدعين والمتميزين والباحثين المنتمين إلى شتى بقاع العالم...). عناوين محكمة تشد الانتباه، مادة خصبة تفيض علما ومعرفة، موضوعات ثرية، تخصصات علمية وإنسانية تتناول أبرز وأهم مجالات المعرفة والسياسة وما طرأ عليها واكتسبته من تحولات وأثبته العلم والتجارب من نظريات واكتشافات وابتكارات، أعدها وكتبها متخصصون ماهرون بلغت شهرتهم الآفاق، ونقلها إلى القارئ العربي مترجمون مجيدون بارعون، إنها سلسلة (عالم المعرفة)، التي ننتظرها كل شهر بلهفة وتوق لتلقي المزيد من مستجدات المعرفة والعلم والثقافة. (رأسمالية الكوارث، كيف تجني الحكومات والشركات العالمية أرباحا طائلة من ويلات الحروب ومصائب البشرية)، لكاتبه (أنتوني لوينشتاين)، عنوان آخر يقدم لموضوعه بدقة، يشد الانتباه، ويحفز على القراءة ويشجع على تناول محاوره واستطلاع وتلخيص أبرز ما احتواه، وعرض ملخص عنه للقارئ. وما يسترعي الانتباه من أول وهلة - كذلك - أنه - أي العنوان - يعزز ويقارب بين ما تعرضه القراءة العلمية الموثقة بالبيانات والتحليلات والمؤشرات، وما يتحدث عنه ويؤكده عامة الناس في مجتمعاتهم من أن الحروب والصراعات والأوبئة والفواجع ما هي إلا صناعة مصطنعة منشأها مافيا شركات السلاح والأدوية ومراكز البحوث في الغرب التي تجني أموالا طائلة على وقعها. فهل تنتعش اقتصادات العالم المتقدم والمتحضر، وتنمو شركاته، ويثري رجال الأعمال والمصانع من فواجع الشعوب وأزمات الأمم؟ وهل يعني ذلك كذلك أن الحروب والأوبئة والمصائب التي تمطر وابلا على أرضنا مدبرة ومخطط لها؟ وتشتعل وتستفحل وتفتك بالملايين بفعل المؤامرة؟ إنها لكارثة فعلا تفوق مخاطرها الحروب والأوبئة ذاتها، إذا كان كتابنا الذي نقدم له في هذا المقال يقر ويؤكد ويبرهن بالأدلة والحجج على هذه الحقيقة؟ إنه من الصعب إغفال استنتاج يمكن أن نخلص إليه مفاده أن الحروب غالبا ما تندلع للسبب ذاته المتمثل في تحرير أسواق جديدة وطيعة، ومع احتمال أن تستمر الحرب على الإرهاب عقودا، فلن يكون ثمة نقص في الأعمال التي يمكن تأمينها. الكتاب كما كشف عن مادته مؤلفه يسعى إلى (تسليط الضوء على الشبكات السرية التي تشكلت لمساعدة الشركات على جني الأرباح من الأزمة الاقتصادية العالمية الأخيرة، كما يحاول مؤلف الكتاب أن يظهر، من خلال تقاريره، التاريخ المظلم للشركات المتعددة الجنسيات التي، بمساعدة من وسائل الإعلام والنخب السياسية في الدول المنكوبة، باتت أقوى من الحكومات الوطنية. ليؤكد أنه في القرن الحادي والعشرين، أصبح السكان الضعفاء هم السلع الأهم قيمة في العالم، تستهدفهم الشركات، وتلحق بهم الويلات تحت شعارات براقة).