التحولات الاقتصادية

كانت مراحل تطور البشرية بطيئة في عصور الماضي البعيد، تحتاج إلى أجيال عديدة وسنوات طويلة كي يشعر الإنسان بأن تغييرا حدث في نمط الحياة وكشفا ظهر، طور من هيكلية المؤسسات والبنية التنظيمية وعالج مشاكله اليومية وجعل معيشته أكثر يسرا ورفاهية، بعكس ما حدث خلال الثلاثمائة عام التي تتابعت فيها الطفرات العلمية وتفجرت ينابيع المعرفة واستمرت الاكتشافات والابتكارات وبراءات الاختراع وتطبيقاتها تتوالى، لدرجة أنها تجاوزت بأشواط هائلة التخيل الإنساني وطموحاته الواسعة، (حدثت أهم مرحلة في عملية التوحيد العالمي في القرون القليلة الماضية، حين نمت الإمبراطوريات واشتد زخم التجارة. تشكلت روابط أقوى من أي وقت مضى بين شعوب أفروآسيا وأمريكا وأستراليا...). ورافق كل ثورة علمية ينجزها الإنسان تحول اقتصادي يقود الأمم والشعوب إلى المزيد من ضبط وتطوير المعاملات النقدية والتجارية، وتعزيز التعاون والتنسيق والتفاهم المشترك في تبادل المصالح وتعظيم المنافع، وتعميق الوعي بقيمة وأهمية المال وارتباط قوة الدول بقوة ومتانة اقتصادها، ففي الماضي البعيد اعتمد الإنسان في معيشته وتبادلاته التجارية على الصيد وماء الأنهار والجداول وما تنتجه الطبيعة من ثمار الأشجار وأعشاب مختلفة للتداوي ويقايض ما يمتلكه منها مع الآخرين للحصول على ما يحتاجه في تبادلات قائمة على المنافع المشتركة، وكان الإنتاج محدودا للغاية بغرض إشباع الحاجة اليومية، وشيئا فشيئا نمت الاقتصاديات وبات المال عنصرا أساسيا لبناء الدول والمشاريع وإقامة الصناعات وإحداث التقدم وتحفيز الأسواق ودعم المعرفة، لقد ظل (نصيب الفرد من الإنتاج ثابتا)، وفي العصر الحديث تسارع النمو بشكل كبير فقد قدر (الإنتاج العالمي للسلع والخدمات في سنة 1500م بحوالي 250 مليار دولار، أما اليوم فيحوم حوالي 60 تريليون دولار. والأهم من ذلك، بلغ إنتاج الفرد السنوي في سنة 1500م حوالي 550 دولارا، بينما ينتج كل رجل وامرأة وطفل في المتوسط هذه الأيام 8800 دولار في السنة). وفي العصر الحديث شهدت التحولات الاقتصادية المصاحبة للثورات العلمية تطورات اعتمد فيها النظام المالي على (الائتمان)، الذي يقف خلف الإنجازات الإنسانية الهائلة التي يشهدها العصر في تحديث وبناء وتمويل المشاريع والصناعات العملاقة وتحفيز الأسواق والمجمعات التجارية ودعم المراكز البحثية والتجارب العلمية واحتضان المواهب وتعزيز التبادلات والمنافع والاستثمارات وتسريع عجلة المال وتدويره وتوليد الفرص في نمو متسارع وتحت مظلة اقتصادات عملاقة تحميها وتقود حركتها (العولمة)، إنه (نظام قائم على الثقة في المستقبل)، وائتمان يمكننا من (بناء الحاضر على نفقة المستقبل). لقد أكد التقدم البشري على أن اتحاد كل من العلم والمال ووعي النظام السياسي الذي يرعاهما بدورهما العميق كانت العامل الأساسي لأي نهضة علمية تتحقق، لقد قاد وعي كل من فرديناند وإيزابيلا، حاكمي إسبانيا الموحدة وإدراكهما لأهمية العلم إلى الموافقة على تمويل حملة كريستوفر كولومبس والاستثمار فيها، فمكنت اكتشافات هذا الأخير إسبانيا من (احتلال أمريكا، حيث أنشأوا مناجم ذهب وفضة وكذلك مزارع سكر وتبغ أثرت الإسبان الملوك والمصرفيين والتجار بطريقة لم يكن ليحلموا بها). فيما تأخرت نهضة البرتغال وإيطاليا وفرنسا وإنجلترا لسنوات طويلة الذين رفضوا ملوكها مقترحات كولومبس بتمويل أسطول (يبحر غربا من أجل إيجاد طريق تجاري جديد).