التنويع والترشيد الاقتصادي لا يلتقيان

توجُّه دول مجلس التعاون الخليجي نحو تنويع مصادر الدخل، تطوير القطاعات الاقتصادية الواعدة، تعزيز الموارد، تنشيط السوق، أي بمعنى تحفيز الاقتصاد بوجه عام، سياسات تتعارض مع التقشف كـ(فكرة خطرة) بالأخص في بلدان لا يزال فيها القطاع الخاص ومشاريعه الصغيرة والمتوسطة والكبيرة وأنشطته المتعددة تعتمد في بقائها ونموها وأرباحها على المناقصات وأوجه الدعم المختلفة والمشاريع الحكومية. وهذه بالتالي تزدهر وتنشط مع ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية، كونه المورد الأساسي الذي تعتمد عليه اقتصاديات دول الخليج والممول الرئيسي لموازناتها العامة، التي وبرغم الدراسات والرؤى والإستراتيجيات والندوات واللجان والسياسات والتوصيات المعدة والمطروحة والمقدمة، والتي بدأت مبكرا في مطلع الثمانينيات وكان محورها الأساسي وأولوية غاياتها تحقيق سياسات تنويع مصادر الدخل وتعزيز الموارد واستثمار وتنمية القطاعات الاقتصادية العديدة، والمضي في تنفيذ برنامج زمني يحقق هدف الاستغناء التدريجي عن النفط، لم تنجح في تحرير الاقتصاد الوطني على مدى العقود الأربعة الماضية من قيود الاعتماد على الإيرادات النفطية، ورغم سنوات الرخاء التي شهدت ارتفاعا في أسعار النفط إلا أن تلك الخطط والسياسات لم تتمكن من استثمار فوائض الأموال المحصلة منه في تنمية القطاعات الأخرى. ورغم التوسع في برامج وإقامة وتنفيذ المشاريع الخدمية ودعم قطاعات الصحة والتعليم والإسكان والكهرباء والماء وغيرها، إلا أننا في المقابل لم نُحدِّث ونطور سياسات وآليات وأنظمة متقدمة للتوظيف ولم نربطها بقيم المنافسة الشريفة والكفاءة والجودة، ما أدى إلى إشكالات وتحديات عديدة في سوق يقوم على منافسة ومزاحمة الأجنبي واستحواذه على معظم القطاعات والأنشطة وعلى التجارة المستترة، وأخفقنا في إقامة مشاريع صناعية وتجارية وسياحية وتطوير برامج التعليم وتنظيم سوق العمل، بما يكفل قيام تنمية مستدامة تتسم بالشمولية وتبتغي رفع الإنتاجية وزيادة الكفاءة والنمو الاقتصادي وتوليد فرص عمل حقيقية وتعزز أنشطة البحث واستخدام وتوظيف التكنولوجيا وتحسين أداء المؤسسات وتحويل المجتمع إلى مجتمع معلوماتي وإعداد وتشجيع سياسات وطنية للابتكار والإبداع، ما حدا بوزارات المالية في الدول الخليجية إلى اللجوء إلى أسهل الحلول ممثلة في سياسات ترشيد الإنفاق أو (التقشف) في وقت فيه اقتصاديات المنطقة في أشد الحاجة إلى تشجيع الاستثمار وضخ الأموال لتحقيق غايات تنويع مصادر الدخل وتعزيز الموارد ودعم مؤسسات القطاع الخاص لتتمكن من الاعتماد على نفسها. إن سياسات ترشيد الإنفاق وتجفيف بعض أوجه الصرف يمكن أن تكون مطلوبة، بل وضرورية في بعض المجالات التي تشكل هدرا أو شكلا من أشكال الفساد والترفيه والتبذير غير المحمود أو تؤدي إلى امتياز مؤسسات وأفراد وقطاعات على أخرى أو لا تضيف قيمة على الاقتصاد أو لا تعني شيئا للمجتمع.. لذلك تتطلب سياسات الترشيد آليات دقيقة وخطوات حذرة وخبرات اقتصادية متخصصة قادرة على تصنيف القطاعات والمجالات والحقول التي يمكن إخضاعها للتقشف والأخرى التي تتطلب دعما أكبر واستثمارا أوسع والتي قد تؤدي سياسات الترشيد فيها إلى الإضرار ببرامج تنويع مصادر الدخل والسعي إلى تعزيز الموارد والاستغناء التدريجي عن الاعتماد على النفط.