تعد التجربة الماليزية من التجارب التنموية الجديرة بالاهتمام والدراسة لما حققته من إنجازات كبيرة يمكن أن تستفيد منها الدول النامية عامة والدول العربية خاصة، حيث إن ماليزيا دولة إسلامية ذات مقومات كبيرة حققت خلال العقود الأربعة الماضية قفزات هائلة في التنمية البشرية والاقتصادية، إذ أصبحت الدولة الصناعية الأولى في العالم الإسلامي، فضلاًعن أنها الأولى في مجال الصادرات والواردات في جنوب شرق آسيا، وتمكنت من تأسيس بنية تحتية متطورة، فضلاً عن تنويع مصادر دخلها القومي من الصناعة والزراعة والمعادن والنفط والسياحة وحققت تقدماً في ميادين معالجة الفقر والبطالة وتخفيض نسب المديونية، وعلى الدول العربية أن تدرس تجربة ماليزيا دراسة معمقة ودقيقة في شتى المجالات سواء الجانب الصناعي والبشري وقطاع الصحة والتعليم....إلخ، للاستفادة منها في النهوض اقتصادياً وانتشال دولها من الواقع الاقتصادي المتردي. تقع ماليزيا، البالغ عدد سكانها حوالي 30 مليون نسمة، في جنوب شرق آسيا، وتنقسم إلى إقليمين يفصل بحر الصين الجنوبي بينهما، الإقليم الأول هو شبه جزيرة ماليزيا ويقع غرب ماليزيا، بينما الإقليم الثاني هو سرواك وصباح ويقع شرق ماليزيا. تتكون ماليزيا من ثلاثة أعراقٍ رئيسية، هم الملايو (مسلمون) ويمثلون أغلب السكان بنسبة 57%، ويليهم الصينيون ويمثلون حوالي 27%، ثم الهنود بنسبة أقل تمثل 7%، إضافة إلى أعراقٍ أخرى، حيث يعتلي الملايو المسلمون سدّة الحكم بينما يُمسك الصينيون والهنود بزمام القوة الاقتصادية في البلاد بعيداً عن المنافسة أو التّصارع على السّلطة أو القوّة، وهو السبب الأوّل الذي قاد ماليزيا إلى ما هي عليه اليوم. بدأت أولى معالمُ المجد الماليزي تتّضح بقيادة الرجل الطموح والطبيب الماهر مهاتير محمد، عندما تسلم زمام المبادرة ليرأس حكومة بلاده مطلع العام 1981. كان الاهتمام بالسياسة التنموية في البلاد بمثابة الجوهر الأساسي لمهاتير الذي قاد البلاد في فترة ذهبية وقياسية استمرت حتى 22 عاماً. حيث كان تركيزه ينصب على بناء الإنسان من أجل تحقيق تنميةٍ بشريةٍ متكاملةِ الأبعاد، وتعميق الوعي والحرص الداخليّين لدى كل فردٍ في أهمية تطوير الدولة، وهو ما انعكس إيجاباً على الأفراد لأن ذلك سيُولّدُ لديهم شعوراً بأنهم عناصر حقيقية وفاعلة في البناء والتنمية. حققت ماليزيا خلال العقود الأربعة الأخيرة قفزاتٍ هائلة في التنمية البشريةِ والاقتصادية. حيث إنها من أوائل الدول الإسلامية الصناعية في مجال الصّادرات والواردات في حوض دول جنوب شرق آسيا، وتمكّنت من تأسيس وتطوير بنيتها التّحتية وتنويع مصادر دخلها المتمثلة في الصّناعة والنفط والسّياحة وغيرها. إضافةً إلى الاستفادة الكبيرة من الانفتاح على الخارج عبر القيام بعمليات اندماج في أسواق العولمة مع الحفاظ على ركائز تنمية ودعم الاقتصاد الوطني والمنتج المحلي. وسوف نستعرض في الأسبوع القادم باقي معالم التجربة الماليزية في التنمية، فإلى أن نلتقي، لكم تحياتي.