الاقتصاد الأمريكي.. حقائق وعِبَر

وفقا لبيانات البنك الدولي للعام 2019، فإن إجمالي الناتج المحلي لعشر دول بلغ نحو 59 تريليون دولار وهو ما يُمثل أكثر من ثلثي الناتج العالمي والبالغ 89 تريليون دولار، ووفقا للمصدر نفسه فقد بلغ الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة الأمريكية وحدها ما يناهز 21 تريليون دولار وهو ما يُشكِّل تقريبا ربع الاقتصاد العالمي، بينما تخطت الصين مستوى 14 تريليون دولار، تليها اليابان بـ 5 تريليونات دولار، ومن ثم كل من ألمانيا، الهند، بريطانيا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل وكندا، أما بقية دول العالم مجتمعة فقد بلغ إجمالي ناتجها 29 تريليون دولار، وهو ما يُشكل 33% تقريبا من حجم الاقتصاد العالمي. وهنا وقبل الغوص بالحديث تجدر الإشارة إلى أن الناتج المحلي الإجمالي يشير إلى القيمة الإجمالية للسلع والخدمات المنتجة داخل اقتصاد دولة معينة في فترة محددة وهو يُعد أوسع وأهم مقياس لأداء الاقتصاديات. بالرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية دولة حديثة العهد مقارنة بالعديد من دول العالم وهي الدولة التي تضم خمسين ولاية تقع معظمها في وسط أمريكا الشمالية لتحُدّها كندا شمالا والمكسيك جنوباً وهي أيضا تأتي في المركز الثالث عالميا من حيث المِساحة (9.83 مليون كم⊃2;)، وعدد السكان (307 ملايين نسمة) إلا أن اقتصادها القوي احتل ولعدة سنوات المركز الأول كأكبر اقتصاد في العالم، وهنا يأتي السؤال: ما هي أهم مكونات هذا الاقتصاد؟ وكيف استطاع تخطي باقي الاقتصاديات للدول ذات الحضارات القديمة والثروات الطبيعية الضخمة؟ بداية فإن الولايات المتحدة الأمريكية تعمل ضمن نظام رأسمالي يعتمد على اقتصاد السوق المبني على الاستثمار الحر والمنافسة التجارية والذي يغذيه كل من وفرة الموارد الطبيعية، والبنية التحتية المتطورة والإنتاجية العالية، بالإضافة إلى الخدمات المتنوعة والقدرات التكنولوجية الحديثة، فهي كدولة تمتلك ثروات طبيعية مهمة مثل: البترول، الغاز الطبيعي، الفحم واليورانيوم، والتي تمثِّل مجتمعة أهم منتجاتها بالرغم من كونها أكثر دول العالم استيرادا للمحروقات، هذا بالإضافة أيضا إلى امتلاكها قوة زراعية تُعد الأكبر على مستوى العالم ويأتي على رأسها كل من: تربية الأبقار، زراعة الحبوب (الذرة، القمح) والزراعات الصناعية الأخرى (القطن، الفول السوداني، التبغ). أما على المستوى الصناعي فإن قدرة الولايات المتحدة التكنولوجية والمالية بالإضافة إلى تنوع منتجاتها وتوافر اليد العاملة المؤهلة بها جعلها تحتل صدارة العديد من الصناعات (البترول، السيارات والكهرباء) وخاصة الصناعات التكنولوجية المتطورة والدقيقة (الفضاء، الطيران، الإلكترونيك والتسلح). أما تأثير قطاع الخدمات فإنه يظهر بشكل واضح على الاقتصاد الأمريكي، حيث تشكل خدمات الإدارة والسياحة بالإضافة إلى الترفيه والتجارة والبنوك أحد أهم روافد هذا الاقتصاد. وبالنظر سريعا إلى أهم نقاط القوة الأخرى في الاقتصاد الأمريكي فإنه يمكن تلخيصها بما يلي: هيمنة الدولار الأمريكي على التجارة الدولية والاحتياطات المصرفية، حيث أصبح العملة الأكثر انتشارا واستخداما في العالم وهو ما يعطي ميزة تنافسية مهمة للدولة وخاصة على مستوى سداد ديونها الخارجية والتي أصبحت تُحسب بالدولار وهو عملتها المحلية. حرية وسهولة حركة رؤوس الأموال وهو ما يجعل من كبار المستثمرين يتحركون سريعا لاقتناص أي فرص متاحة بأسواقها، خاصة في ظل وجود نمط إدارة يُعتبر من ضمن الأسهل والأسرع في العالم ليدعمه في ذلك توافر النمو والتطور التكنولوجي الكبير. الهيمنة والقوة السياسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة الأمريكية تجعل العديد من الدول تطمح لأن تكون ضمن الشركاء التجاريين الأساسيين لها، وذلك بهدف توطيد العلاقات بين البلدين. المقدرات والخيرات المتنوعة المتوفرة بها، بالإضافة إلى السياسات المالية والاقتصادية المتبعة والتي تهدف لخلق معدل دوران مرتفع لحركة الأموال في الأسواق. التخصص وتقسيم العمل والتركيز على النجاح في كل تفاصيل العمليات الإنتاجية والتجارية. وأخيرا وبرأيي الشخصي فإن القوة الحقيقية لأي اقتصاد عالمي تكمن في قدرة العاملين في هذا الاقتصاد على التفكير والابتكار، وبالتالي تحديد وجهة اختصاصاتهم وتركيزهم عليها هو ما يجعلهم قادرين على مواجهة أي تحدٍّ أو تغيير قد يواجِههم مستقبلا، وهنا أستذكر مقولة الاقتصادي الشهير آدم سميث «تقسيم المهام المعقدة إلى مهام بسيطة، والتي يمكن عبرها للمرء أن يصبح خبيراً، هو المصدر لتحقيق أقصى قدر من التحسن في القوى الإنتاجية للعمل».