سياسات التقشف 2/3

يطرح الكاتب في كتابه القيّم عددا من الأسئلة الافتراضية والإجابات الاجتهادية المتكئة على عشرات الأمثلة والنماذج المعبرة عن الواقع والتي استقاها من تجارب دول وأنظمة سياسية مختلفة، ويعرض لتاريخ ومسيرة الكثير من المذاهب والمدارس الاقتصادية وتأثيراتها على السوق ومدى تفاعلها مع مواقف السياسيين ومحتوى خططهم وبرامجهم للتعامل مع الأزمات المالية وتأثيراتها، ومن بينها بالطبع سياسات (التقشف) وآراء الخبراء والمفكرين الاقتصاديين التي ما تلبث أن تتغير وتتعرض لتحديثات على ضوء نجاح أو فشل تلك السياسات وأسباب وانعكاسات الأزمات الاقتصادية، وقدم المؤلف رؤيته التحليلية حول الأزمات المالية والاقتصادية على مدى ما يقارب قرنا من الزمان في كل من الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا، والتاريخين الطبيعي والفكري للتقشف خلال المائة السنة الماضية من (1914 وحتى 2012م). مع الاعتراف بأنه -أي التقشف- حقق نجاحات استثنائية لنماذج بعينها ما أدى إلى (توسع اقتصادها) بسبب توفر جملة من العوامل تتعلق بـ(النقد وأسعار الصرف)، فيما أن الواقع يقول بأنه وخلال هذا العقد من الزمن خفض (أكثر من 12 بلدا عضوا في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ولم يشهد أي منها نموا نتيجة لذلك). توضيحا لفكرة الكتاب يقول جاسم خالد السعدون عضو هيئة التحرير بسلسلة (عالم المعرفة) بأنه يروي من غلاف بدايته وحتى غلاف نهايته كيف أن التقشف فكرة خاطئة، فهي من وجهة نظر الكاتب ليست فكرة (علاج اقتصادي لوضع يحتاج إلى علاج، بل هو أحد المشتقات الفكرية لأيديولوجية المدرسة الكلاسيكية حول ضرورة إبقاء الحكومات صغيرة وبأدنى سلطة ممكنة)، فالسياسات الحكومية يجب أن تتبنى أفكارا تحفيزية لقيام اقتصاد قوي متعدد الموارد بدلا من سياسات تقشفية تفضي إلى نتائج عكسية أو تؤدي إلى تأزم الوضع الاقتصادي، و(التقشف) إلى جانب ذلك، فقد كان مجرد فكرة وردت ضمن جدل فكري للحد من سلطة وهيمنة الحكومات على السوق. هذا وقد عرف مترجم الكتاب عبدالرحمن أياس، التقشف بأنه (مجموعة من السياسات التي تسعى إلى تخفيض العجز في الموازنات الحكومية من خلال تقليص الإنفاق العام أو جمع عائدات ضريبية أكثر أو مزيج من الأمرين)، وهي ذاتها السياسات التي تتخذها وزارات المالية في البلدان الخليجية اليوم للتعامل مع أزمة انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية، والعمل بالتالي على (خفض العجز المالي للخزانة). ما يعني أن الحكومات تلجأ إلى الخيار الأسهل في تقليص عجز موازناتها وقت الأزمات بدلا من التفكير في خيارات أكثر جدوى وقدرة على تحفيز الاقتصاد وتحقيق النمو والحفاظ على حياة الرفاه، وقد كادت سياسات التقشف أن (تعصف بالولايات المتحدة الأمريكية لدى دفع بليث مؤلفه هذا إلى المطبعة في أواخر العام 2012م). يعلق الكاتب على سياسات التقشف بأنها وفي أغلب الأحيان (الإجراء الخاطئ تحديدا لأنها توجد النتائج نفسها التي تحاول تجنبها)، مستعرضا للتأكيد على هذا الرأي عددا من الأمثلة، فقد خفضت كل من (البرتغال وأيرلندا وإيطاليا واليونان وإسبانيا موازناتها) وفيما تقلصت اقتصاداتها، فقد كبرت (أعباء ديونها بدلا من أن تصغر)، وقدم المؤلف أرقاما تؤكد هذه الحقيقة، فنسبة الدين الصافي إلى الناتج المحلي الإجمالي في البرتغال على سبيل المثال ارتفعت من (62% في 2006 إلى 108 في 2012). نكمل الجزء الثالث من المقال في الأسبوع المقبل.