الخلفيات الاقتصادية لحراك الجزائر

شكل الحراك الجزائري المتواصل صدمة للمتابعين والمحللين، فالبلد كان يتمتع بهدوء وجمود سياسي لسنوات، حيث كان الاستقرار هدفا متاحا إلا أن تم إعلان ترشح الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة إلى عهدة رئاسية خامسة مما أدى إلى خروج كبير للشعب الجزائري بمختلف مكوناته رجالا ونساء، شيوخا وشبابا من سكان المدن والأرياف يحثون على ضرورة إلغاء الرئيس لترشحه وإجراء إصلاحات هامة على المنظومة السياسية والانتقال نحو جمهورية ديموقراطية توفر لمواطنيها الحريات الفردية والحقوق الأساسية. وبذلك، بدأت بوادر الانفراج تظهر مع إعلان الرئيس إلغاء ترشحه للرئاسة، تأجيل الانتخابات وإجراء حوار وطني شامل لكافة الأطياف السياسية. وعلى الرغم من أن الحراك الجزائري لا يشهد مطالب اقتصادية واجتماعية بشكل مباشر إلا أن الاقتصاد يشكل خلفية مرجعية ومدخلا مهما في فهم الظواهر السياسية، فالجزائر تحظى بموارد طبيعية، مالية وبشرية كبيرة يمكنها أن ترتقي باقتصادها وجعلها اقتصادا منتجا وصاعدا. ومن الموضوعي أن نذكر أن الولايتين الأوليتين لبوتفليقة كانتا بمثابة قفزة نوعية في البنية التحتية خاصة مع ارتفاع أسعار النفط الامر الذي ادى الى الارتقاء بالمدارس، الجامعات، المستشفيات والنقل، خاصة مع حالة الاستقرار السياسي والأمن المجتمعي التي تحققت بعد عشرية سوداء من الإرهاب والاحتراب الأهلي. على هذا النحو، يمثل النفط 30% من الناتج الداخلي الخام للجزائر لكنه يمثل 90% من صادرتها. وعلى الرغم من التنويع الاقتصادي الذي عملت عليه الجزائر خلال السنوات الماضية عبر دعم قطاعات كالتصنيع، التكنولوجيا والسياحة، إلا أن ذلك ظل صالحا للاستهلاك المحلي بدل من التصدير.  وجدير بالذكر، أن انخفاض أسعار النفط أثر على الاقتصاد الجزائري، فارتباط الاقتصاد بالنفط امر موجود في العالم ودول عديدة استفادت من النفط لأغراض التنمية، الا انه في بعض الأحيان يتحول النفط الى لعنة فيما يعرف في الاقتصاد بالمرض الهولندي، فدول عربية كالعراق وليبيا كان النفط نقمة عليها وعائقا في تنميتها واستقرارها. وفي ذات السياق، تحتاج الجزائر للمزيد من الإصلاحات القانونية لتحسين مناخ الاعمال وخلق فرص الشغل عبر الحوكمة وتغيير قانون 51% في الاستثمارات بقطاع النفط مع ضرورة الاهتمام بالقطاع البنكي والخدمي. فالبلد متأخر في القدرة على جلب الاستثمارات فهي تحتل المرتبة 157 في مناخ الاعمال والمرتبة 86 في مؤشر الشفافية العالمية.  وختاما، فتجاوز ثقافة الريع هو التحدي الأساسي للاقتصاد الجزائري والاقتصادات العربية، فقد كانت محاولات مثلا في الجزائر للتشجيع على ريادة الاعمال غبر إعطاء منح للشباب لخلق مقاولات الا ان تلك الأموال تم استعمالها لأغراض شخصية بدل من استثمارها. والحاجة هنا بليغة للفاعل السياسي الشاب والطموح القادر على فهم تحديات العصر الحالي من عولمة، سرعة، منافسة وتطور تكنولوجي وكذلك لرؤية اقتصادية سديدة تعمل على توظيف الكفاءات الوطنية والاستفادة من الأدمغة الجزائرية المقيمة بالخارج والعمل على مستقبل يؤسس لثقافة المواطن المنتج والاقتصاد القويم.