مثلما شهد العالم ازدهارا اقتصاديا ومعيشيا، وطفرات علمية متسارعة، وتقدما تقنيا هائلا في مختلف المجالات لم تشهد له البشرية مثيلا من قبل في جميع عصورها التاريخية، ابتلي كذلك بمآسي الحروب الإقليمية والصراعات الداخلية المسلحة والمجاعات والكوارث الطبيعية والأوبئة التي فتكت بملايين البشر وشردت وعطلت وأعاقت أعدادا هائلة ودمرت البنية التحتية في عشرات البلدان والمدن، لذلك كنت على يقين وأنا أتابع تطورات الخسائر الإنسانية التي يلحقها كورونا بالأرواح بأن التقدم العلمي وتكاتف حكومات العالم كفيلان بإيقاف هذا الوباء وإنقاذ البشرية منه، ولن تبلغ حصيلة قتلاه خسارة حرب أهلية في بلد واحد مثل اليمن أو سوريا على سبيل المثال، ولكنني كنت في غاية القلق من أضراره البالغة التي يلحقها بالاقتصاد العالمي مع كل يوم يمضي تكون فيها حدود الدول مع بعضها مغلقة، وخطوط الطيران ووسائل النقل معطلة، وقطاعات السياحة والفندقة متوقفة، ومصالح الناس على مستوى العالم معطلة، والأسواق والتجارة راكدة، والحركة ضعيفة، والبورصات وأسواق النفط في تراجعات متواصلة، والمجتمعات والأمم والشعوب تعيش في قلق ورعب، في أسوأ كارثة لم يشهد العالم مثيلا لها في العصر الحديث. فمن يتصور أن يصدر الرئيس الفرنسي قراراته في بلد النور والحرية والصخب والحركة والنشاط السياحي القوي بإغلاق جميع المطاعم والمقاهي ودور السينما والأندية والمواقع السياحية البارزة لتتحول باريس إلى مدينة أشباح، وتبعتها لندن ومعظم إن لم يكن جميع المدن والعواصم الأوروبية التي كانت تستقبل وتودع الملايين في اليوم الواحد، ليتبين حجم الكارثة التي يشهدها الاقتصاد العالمي بسبب كورونا، الذي فرض على الدول والحكومات سياسات وإجراءات وقرارات صارمة للغاية واعتمادات قدرت بمليارات الدولارات لإنقاذ اقتصاداتها، فألمانيا تعتزم تقديم (قروض مع ضمانات بقيمة لا تقل عن 550 مليار يورو في أكبر إجراءات استثنائية منذ الحرب العالمية الثانية للتصدي لتداعيات فيروس كورونا على أكبر اقتصاد في أوروبا)، واتخذت الدوحة تدابير اقتصادية وقائية، تمثلت في: دعم القطاع الاقتصادي بـ 75 مليار ريال قطري - تأجيل سداد القروض، والأقساط لجميع المقترضين، وإعفاء الكهرباء والماء، والسلع الغذائية والطبية من الرسوم الحكومية لمدة ستة أشهر - زيادة استثمارات الصناديق الحكومية في البورصة بمبلغ عشرة مليارات ريال قطري. وللمرة الثانية يخصص الفيدرالي في نيويورك «500 مليار دولار للتحفيزات النقدية وتعزيز السيولة». ولم تكد الاقتصاديات وأسواق المال الخليجية تبدأ رحلة التعافي وتشهد تحسنا في أدائها وتقدم قراءات متفائلة في نموها السنوي بعد أن تصاعدت أسعار النفط في الأسواق العالمية، حتى حلت كارثة كورونا لتقود أسعار النفط والأسهم من جديد إلى قاع أعمق من قاع 2016، فتتوالى الانهيارات الاقتصادية وتتعمق الأزمات المالية ويخيم التشاؤم على مجتمعاتها التي تأملت انفراجات في ملفات التوظيف والترقيات والتسريح ونشاط في أسواق العقار والمال والانشطة التجارية، ففي لقاء صحفي مع الدكتور سعيد الصقري رئيس الجمعية الاقتصادية أشار إلى أن (كورونا يكبد نفط عمان 170 مليون ريال خسائر خلال شهرين)، فيما تضاعفت الخسائر في هذا اليوم 23 مارس، مع أسعار تقل عن الـ 30 دولارا للبرميل. فعلى رجال الأعمال والأغنياء والمستثمرين في بلداننا أن يسهموا ولو بنسبة بسيطة من مدخراتهم وما جنته شركاتهم من أرباح في سنوات الرخاء والازدهار وضخ جزء من الأموال في الأسواق المحلية لإنقاذ اقتصادات بلدانهم بالتعاون مع الحكومات.