لا يختلف اثنان في لبنان حول عمق أزمة الدين العام وصعوبة حلها، بل حول التقصير العام في معالجتها. هي مشكلة قديمة كبرت مؤخرا بسرعة بسبب الفساد وسوء الادارة وقلة المسؤولية. ارتفعت نسبة الدين العام من الناتج من 136.6% في سنة 2013 الى 154% في 2018 ومن المتوقع أن تصل الى 165.7% في سنة 2020 اذا ما استمرت الأمور على ما هي عليه. تعتبر هذه النسبة الثالثة في العالم بعد اليابان واليونان. لكن اليابان غنية مع اقتصاد متكامل وصناعة رائدة وديموقراطية متطورة وخدمات عامة كبيرة. اليابان من الاقتصادات الأهم عالميا والخامسة في الحجم ولا ينقصها الا نمو سكاني ايجابي بسبب ضعف الانجاب وارتفاع العمر المرتقب ورفض استقبال المهاجرين حتى الآسيويين. أما اليونان فهي مدعومة من دول الوحدة النقدية الأوروبية وتستطيع الاتكال على المؤسسات المشتركة، وهذا ما حصل عندما تأزم الوضع المالي. أما نحن في لبنان، لنا أشقاء وأصدقاء لكن حدود المساعدة محدودة بسبب الأوضاع الاقتصادية العامة، خاصة واننا لا نقوم بالاصلاحات المطلوبة اقليميا ودوليا. أين هي حدود الدين العام اللبناني؟ هل يمكن لمجتمعنا أن يتحمل ثقل الدين المتزايد؟ يرتفع الدين العام بسبب استمرار عجز الموازنة الذي قارب 9.2% من الناتج في سنة 2016 وحوالي 11% في 2018. لا يمكن وضع موازنة متوازنة في لبنان وبالتالي سيستمر الدين العام في الارتفاع. من غير الممكن تخفيض الانفاق الجاري بنسب كبيرة أو رفع الايرادات بنسب مرتفعة في ظل الظروف الحالية الاجتماعية الصعبة. هل الصراع حول التعيينات مهما تكن أهمية الوظائف الشاغرة أهم من تفاقم الدين وانعكاساته؟ هل رفع «نفوذ» مسؤول ما وتخفيض «نفوذ» مسؤول آخر أهم من مستقبل الشعب والاقتصاد؟ ما هذا الكلام العجيب عن الحصص عند تشكيل الوزارة الحالية وكأن لبنان هو قالب حلوى يتقاسمه الجائعون الذين لا يشبعون؟ هل يغيب حس المسؤولية عند السياسيين؟ هل أصبحنا فعلا في دولة «الفالج لا تعالج»؟ اليأس مرفوض لكن الوقائع على الأرض ما زالت غير مشجعة بل تقلق الآجيال المقبلة. هنالك عرف عالمي يقول بأن نسبة الدين العام من الناتج لا يجب أن تتعدى الـ 60% وأن نسبة العجز المالي من الناتج يجب أن تبقى دون الـ 3%. هذه أعراف اعتمدتها دول الوحدة النقدية الأوروبية عبر اتفاقية «ماستريخت» وتعتبر نوعا من المؤشرات السليمة دوليا. فأين نحن في لبنان من هذه النسب، بل لا نحلم بالنزول اليها أقله في القريب المنظور. هنالك محاولات خجولة لتخفيض نسب العجز لكننا بحاجة الى اجراءات ومعالجات أوسع وأسرع وأشمل بل أعمق. يجب وضع برنامج للتخفيض المالي لسنوات عدة وهذا ما لا ترغب به الطبقة السياسية المطلوب منها أن تضحي هي قبل أن تطلب التضحية من الغير أي من المواطن والموظف. من الخطورة بمكان اهدار مؤتمر توصيات «سيدر» المدعوم عربيا ودوليا. هل نكون بمستوى التحديات؟