إن ما يشهده العالم الآن من تحرير لاقتصاديات السوق وما يتبعها من تحرير للأسواق المالية، مما يترتب عليها تزايد انفصال رؤوس الأموال والتوسع في حجم الشركات، وانفصال الملكية عن الإدارة، كل ذلك أدى إلى ضرورة الاستعانة بآليات جديدة للرقابة من خلال إطار تنظيمي يضمن حماية رؤوس الأموال في الشركات والمشروعات. ومن ثم كان لابد من تفعيل أسلوب حوكمة الشركات وما يتبعها من إجراءات تستند على عدة مبادئ تدعو إلى الإدارة الصحيحة والرشيدة لهذه الشركات. ويشير مفهوم حوكمة الشركات إلى الإجراءات التي تحقق أفضل حماية وتوازن بين مصالح مديري الشركة والمساهمين فيها وأصحاب المصالح الأخرى المرتبطة بها. وقد حددت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD تعريفاً لحوكمة الشركات بأنها «النظام الذي يوجه ويضبط أعمال الشركة، حيث يصف ويوزع الحقوق والواجبات بين مختلف الأطراف في الشركة ويضع القواعد والإجراءات اللازمة لاتخاذ القرارات الخاصة بشؤون الشركة، كما يضع الأهداف والإستراتيجيات اللازمة لتحقيقها وأسس المتابعة لتقييم ومراقبة الأداء». وتكمن فلسفة حوكمة الشركات في الفصل بين ملكية رأسمال الشركة والإدارة، وعملية الرقابة والإشراف داخلها. وقد تكشفت في العقود القليلة الماضية العديد من الممارسات الخاطئة من قبل مديري الشركات والتي أدت إلى حدوث كوارث لحقت بالشركات والمساهمين وجميع العاملين والمتعاملين مع هذه الشركات. ومن ذلك نذكر قضية عملاق الصناعة والطاقة شركة انيرون الأمريكية عام 2001م عندما انهار سعر سهم الشركة في السوق الأمريكي من سعر 84 دولارا ووصل سعره إلى أسعار متدنية جدا في فترة قصيرة بسبب تلاعب المدير المالي بالبيانات المالية للشركة وأظهر من خلالها وضعا قويا للشركة، مما أدى إلى خسارة المستثمرين مبالغ طائلة قد اقترضوا رأس مالهم المستثمر في أغلب الأحيان فكانت الخسارة بالنسبة لهم مضاعفة، وكان لذلك الأثر السيئ على ثقة المستثمرين بجميع الاستثمارات. وطبعا فضيحة انيرون وإفلاسه كان بالتواطؤ مع أحد أكبر مكاتب المحاسبة في العالم في ذلك الحين «ارثر اند أندرسون» والذي انهار هو أيضا على خلفية هذه القضية. ونذكر أيضاً المشكلة المحاسبية الأخيرة لشركة اتحاد اتصالات موبايلي «ثاني أكبر مشغل للاتصالات في المملكة العربية السعودية» والتي عدلت في فبراير عام 2015 نتائجها المالية لتظهر خسائر بقيمة 243 مليون دولار وليس أرباحا بقيمة 58.6 مليون دولار حسبما أظهرت النتائج الأولية. وعلى ذلك أصدرت هيئة السوق المالية السعودية تعميما على الشركات المدرجة بعدم التعامل مع الوحدة المحاسبية المحلية لشركة «ديلويت اند توش» فيما يتعلق بأعمال المحاسبة القانونية اعتبارا من أول يونيو من عام 2015. لذا سوف تتم الإشارة إلى مبادئ الحوكمة وتطبيقاتها في دول مجلس التعاون خلال لقائنا هنا معكم في الأسبوع القادم، فإلى أن نلتقي، لكم تحياتي. [email protected]