هجرة الشعوب.. الفقر في الوطن غربة

الهجرة والسفر، موضوع شائك تمتزج فيه الأرقام الاقتصادية وفرص العمل بالحنين والاشتياق للماضي والذكريات، تختلط فيه مصادر الدخل بحسابات الرواتب لتُرجِّح كفة الميزان وتأخذنا الي حيث يُمكننا أن نمر عبر أبواب الرزق بما نملك من شهادات وخبرات ومعرفة لا وساطات وانتماءات سياسية أو حزبية، تأخذنا الى حيث نعمل ونكافح فنسكن ونستقر في بيوت يضيئها الأمل بمستقبل يحمل بين ثناياه ترقيات وتطورات كفيلة بنقلنا الى مستويات أفضل وطرق حياة جديدة كنا دوما نبحث عنها، ساحات واسعة من الفرص والاحتمالات تأخذنا من حال الى حال وتفتح ذراعيها لنا بشكل يومي لتعانقنا وتلتقط في طريقها ما بقي فينا من عادات في وطننا الأم الذي لم يحتمل وجودنا عليه فأذن لنا بالرحيل، بحُجة أن نبقى مُستمرِين ويبقى هو في نظرنا حلمنا الجميل ولو كذبا وبهتانا، بلاد لا تحتمل أهلها ولا تملك أن تُؤمّن لهم قوت يومهم ولا مستقبلهم هي بلاد مصيرها أن يكون أفضل مشاريعها هو مطارها الدولي وأسوأ وزاراتها هي وزارتي الشباب والاقتصاد، طاقات كثيرة وأدمغة حقيقية تنتقل من دولة الى أخرى ومن عالمنا العربي الى الغربي ومن دول العالم الثالث للدول المُتقدمة المُتحضِّرة، عقول وخبرات وصناعيين وحِرفيّين، كُتّاب وممثلين وفنانين وغيرهم الكثير والكثير، وهنا يأتي السؤال المهم، فما هي الهجرة الاقتصادية وما هو تعريفها وأنواعها ؟ وما هي أسبابها؟ وكيف تُؤثِّر على الاقتصاد والدورة المالية في الدول والمجتمعات؟ بداية فانه ومن الناحية العامة فإن المهاجر الاقتصادي هو شخص يهاجر من منطقة إلى منطقة أو من دولة الى دولة أخرى وذلك بسبب الظروف الاقتصادية وبهدف تحسين مستوى المعيشة الخاص به حيث تكون ظروف وفرص العمل في المنطقة التي قد هاجر منها غير كافية بالنسبة إليه، هذا ومما هو جدير بالذكر أن الأمم المتحدة عادة ما تستخدم مصطلح «العامل المهاجر» للتعبير عن حالة الهجرة أو السفر بسبب الظروف الاقتصادية، فالمهاجرون الاقتصاديون غالبا ما يغادرون مناطقهم في المقام الأول بسبب الظروف الاقتصادية القاسية وليس بسبب الظروف السياسية أو الخوف من الاضطهاد أو العنف كما يفعل اللاجئون، وبشكل سريع ومختصر فإنه يمكن تعريف الهجرة الاقتصادية على أنها انتقال البشر من منطقة جغرافية إلى منطقة جغرافية أخرى بهدف البحث عن الاستقرار المالي والاقتصادي، هذا ويُمكن تصنيف الهجرة بشكل عام بناء لعدة عوامل، من أهمها الهجرة حسب أعداد المهاجرين وهي إما «هجرة فردية» وهي التي تمثِّل انتقال شخص فرد واحد من منطقة الى منطقة أخرى أو «هجرة جماعية» وهي التي غالبا ما تكون عبارة عن انتقال جماعات وأعداد كبيرة من الناس من مكان الى آخر وهي غالبا ما تحدث عند اندلاع الحروب أو الكوارث الطبيعية، أما من حيث سبب الهجرة فإنه يُمكن تصنيف الهجرة الى «هجرة طوعية أو اختيارية» وهي حين يكون الانتقال بقرار ورغبة من الشخص أو الأشخاص المهاجرين أو «هجرة قسرية» وهي الهجرة الناتجة عن ظروف قاهرة تُجبر الناس على السفر مثل الفيضانات وغيرها من الظروف، كذلك فإنه من المُمكن تصنيف الهجرة حسب مكان الانتقال وهنا أيضا يوجد نوعان فهي إما «هجرة داخلية» ينتقل بها الناس داخل حدود الدولة أو الإقليم الواحد وإما «هجرة خارجية» يغلق فيها الأشخاص كُتب ماضيهم لينتقلوا الى خارج حدود الدولة حيث يواجهون مجتمعات وناس جُدد يعيشون بينهم بحثا عن العمل والاستقرار، وبالرغم من اختلاف أنواع الهجرات السابقة وتنوُعِها إلا أنها جميعها تتّفق في أنها تعود لأسباب اقتصادية بحتة فهي بعيدة عن أي ظروف سياسية أو نفسية أو حتى اجتماعية، بل إن مُسبِّبها الأول هو الوضع الاقتصادي وظروف العمل والاستثمار وحالة الأسواق. وبالحديث عن أهم آثار الهجرة الاقتصادية فهي تُعتبر الحل السحري لرفع دخل الفرد أو العائلة المُهاجرة بالإضافة الى كونها الباب العريض للتعلم وكسب المعرفة عن طريق البدء بحياة جديدة تقوم على تصحيح كل ما أخطأ به الناس سابقا، كذلك فإن السفر يعني التعرف على ثقافات جديدة واكتساب مهارات ومعارف جديدة وهو ما يجعل من دمجها مع خبرة الماضي المختلفة في الوطن الأم وصفة سحرية لإظهار مهارات جديدة قد تكون بدورها فرصة حقيقية للتميُز وهو ما نراه كثيرا عند المهاجرين والمسافرين العرب. واخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي فإن فكرة السفر والهجرة هي فكرة طبيعية وتسلسل عادي في حياة الأفراد والشعوب فكم هو مهم أن ينتقل الانسان الى أماكن أخرى ليتعلم منها طرقا جديدة وينقل اليها فكرا جميل ولكن وبنفس الوقت فإن خسارة الدول لمقدراتها وعقولها المنتجة قد تكون أشد سطوة من مكاسبها ولذلك فإنه يجب على الدول التي تبحث عن النمو والتميز أن تهيئ لمواطنيها أماكن عمل مثالية تفتح أمام ابداعاتهم الأبواب العريضة للتميز والابداع وهو ما استطاعت دول الخليج العربي ايجاده للمواطنين والمقيمين وهو نفسه أيضا ما افتقدناه كثيرا وللأسف في دول عديدة مثل لبنان وسوريا والسودان، وهنا أجد حالنا في بعض هذه الدول وقد انقلب لينتهي الزمن الذي يخاف فيه أهلنا عليه من الغربة ونعيش الزمن حيث نحن في غربتنا نخاف عليهم وهم في الوطن. فأتذكر مقولة «على بن ابي طالب « الشهيرة حين قال «الفقر في الوطن غربة..... والغنى في الغربة وطن».