تحدثنا في المقال السابق عن قمة مجموعة العشرين G20 وقد تساءلنا عن جدوى تأسيس هذه المجموعة في ظل وجود المؤسسات الدولية التي أنشئت لغرض تعزيز الاقتصاد العالمي وتطويره ودعم النمو فيه. فقد لجأت الدول الكبرى إلى تأسيس هذه المجموعة مع وجود الاتفاقيات والمؤسسات الاقتصادية الدولية التي تهيمن هي على سياساتها وقراراتها. فما هو الدور الفعلي الذي تقوم به G20؟ إنه ومع هيمنتها على الاقتصاد العالمي انفردت الدول الكبرى بإدارة الاقتصاد العالمي طوال الحرب الباردة بين الكتلتين الرأسمالية والاشتراكية ورفضت أي مبادرة لإشراك أي من الدول الأخرى في عملية صنع القرار بل وحتى التنسيق معهم، وفي عام 1976 قامت هذه الدول بإنشاء مجموعة الدول الصناعية السبع G7 التي تضم أكبر الدول الصناعية وهي فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، اليابان، المملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية، وبدأت تعمل وتصنع قراراتها من خلال اجتماعاتها السنوية. وكانت هذه الدول وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية الأغنى والأقوى اقتصاديا وصاحبة القرار في المؤسسات الدولية الاقتصادية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، وقد احتكرت لنفسها المناصب الإدارية في هذه المؤسسات. وظلت مجموعة السبع تعمل وتنسق سياساتها وتتشاور فيما بينها في كيفية إدارة الاقتصاد العالمي ورعاية مصالحها حتى عام 1999 عندما ضربت الأزمة المالية الآسيوية الاقتصاد العالمي وكبدت خسائر مالية هائلة لكثير من الدول وبالأخص الدول الكبرى، فقد أثارت تلك الأزمة وكذلك أزمة المكسيك المخاوف بشأن انهيار اقتصادي عالمي، خاصة مع غياب منصة يمكن من خلالها أن تلتقي دول السبع الكبار مع الاقتصادات الناشئة التي تمثل كبرى الأسواق بالنسبة للدول الصناعية. لقد أدركت الدول الكبرى صعوبة إدارة الاقتصاد العالمي والتفرد بقراراته، كما أيقنت أنه لا تمكن المحافظة على مصالحهم الاقتصادية والهيمنة على عملية صنع القرار الاقتصادي في النظام الاقتصادي العالمي إلا من خلال التنسيق مع تلك الدول الصاعدة والتحاور معها، ولذلك ارتأت أن تضم كلا من روسيا، والصين، والأرجنتين، وأستراليا، والبرازيل، والهند، وإندونيسيا، والمكسيك، والسعودية، وجنوب إفريقيا، وكوريا الجنوبية، وتركيا، بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي. فتحولت مجموعة السبع إلى مجموعة العشرين وأصبحت تمثل أكثر من 90 % من إجمالي الناتج المحلي العالمي وحوالي 80% من التجارة العالمية، الأمر الذي يعني أن بقية دول العالم والبالغ عددها 173 تمثل فقط 10 % من الناتج الإجمالي العالمي و20 % من التجارة العالمية. لقد أعطى هذا الثقل الاقتصادي مجموعة العشرين درجة عالية من الشرعية والتأثير على إدارة النظامين المالي والاقتصادي العالميين، فأصبحت هذه الدول تملك القدرة على تقديم حلول للوضع الاقتصادي العالمي. إن المصلحة الاقتصادية للدول الكبرى اقتضت أن تجلس هذه الدول مع الدول الناشئة والتي كانت في الأساس ترفض إشراكها في صنع القرار وإدارة الاقتصاد العالمي. فلولا الأزمات المالية وتداعياتها والدور الذي أصبحت تلعبه الدول الناشئة لما أنشئت مجموعة العشرين ولما أصبحت هذه الدول محل اهتمام الدول الكبرى. وعلى الرغم من ثقلها الاقتصادي إلا أنه يبدو أن هذه المجموعة لا تعمل إلا مع وجود أزمة حادة تحفزها على العمل. كما أن قراراتها غير ملزمة لأي من أعضاء المجموعة، ولذلك نجد أن كثيرا من القرارات التي اتخذتها المجموعة في اجتماعاتها السابقة لم تكن غير حبر على ورق. فعلى سبيل المثال في اجتماع تركيا عام 2015 أطلق القادة 113 التزاماً حول قضايا، من بينها خفض المساعدات المالية للوقود الأحفوري وزيادة المساعدات للاجئين. إلا أنه لم يتجاوز الالتزام بتلك الوعود ما نسبته 50%.