ينابيع المعرفة أطفأت حمم الحروب

في أكتوبر 1990م، قادت التحولات التي شهدتها المنطقة إلى وحدة ألمانيا من جديد، ليتبوأ اقتصادها ضمن (رابع أكبر اقتصاد في العالم) بعد الولايات المتحدة الأمريكية واليابان والصين، والاقتصاد الأضخم على مستوى أوروبا. وكانت ولا تزال الصناعات الألمانية تتمتع بسمعة متميزة على المستوى العالمي واقتصاداته، من حيث الجودة والقوة والقدرة على البقاء والتحدي، وما زلت أذكر في سن الطفولة وفي ريعان الشباب بعد ذلك، كانت الصناعات الألمانية في الأسواق المحلية، بدءا من إبرة الخياطة وانتهاء بالسيارة، تتميز بالجودة والإتقان والجمال الأخاذ والقوة أضفت عليها سمعة حسنة لا تقارنها أي صناعات أخرى، يفاخر بها البائع والمروج في المصنع والسوق، وعندما يعترض المستهلك أو المشتري على الثمن الباهظ للسلعة، يفحمه مالكها بالقول (إنها ألمانية الصنع، ولديَّ خيارات أخرى لسلع بأسعار أقل إذا رغبت؟)، ولكن من سيختار صناعة غير ألمانية حتى وإن كانت بسعر أدنى في ذلك الوقت؟. واليوم هي المنطقة التي تستقبل مئات الآلاف من المهاجرين الذين تضخهم مدننا العربية التي كانت يوما ما مهد الحضارة ومركزها، وقد وجهت الانتقادات خلال السنوات الأربع المنصرمة إلى مستشارة ألمانيا، أنغيلا ميركل، على سياستها في استقبال اللاجئين السوريين بحجج ومبررات كثيرة معظمها عنصرية ترتبط بالإرهاب والثقافة المتخلفة والأفكار غير السوية التي (يحملها العرب النازحون من مناطق الصراعات والحروب)، لكن سياسة المستشارة الألمانية أتت ثمارها واستفاد الاقتصاد الألماني من المهاجرين السوريين، فبحسب صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، (انخرط عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين في سوق العمل بألمانيا عبر بوابة التدريب المهني الذي صمم خصيصا للوافدين الجدد الذين جاءوا إلى القارة العجوز هربا من الحرب والفقر)، وأكدت الصحيفة بأنه ومع (انخفاض معدلات البطالة في ألمانيا إلى أدنى معدلاتها منذ 30 عاما، فقد الشباب الألمان رغبتهم بالتدريب المهني لتتجه الشركات إلى اليد الوافدة المدربة والتي خضعت لنظام التدريب المهني)، حيث بلغ عدد المسجلين في برنامج التدريب على العمل (بنهاية عام 2018 أكثر من 400 ألف شخص). وفي صور ومشاهدات مباشرة أصادف في المحيط الذي أقيم فيه عشرات العناوين لأسماء وعلامات تجارية عربية (مطعم باب الحارة، أسواق الواحة، مطعم القلعة، أسواق العربي، مطعم ومشويات أربيل للمأكولات الشرقية، الدار للشقق الفندقية، أسواق حنين، مطعم العندليب الأسمر، الخيمة كافيه، حلويات وكنافة ليالي الشام... وهي نماذج بسيطة حيث تنتشر المطاعم السورية والحلويات والبقلاوة الشامية والسلع والبضائع والمحلات والأنشطة التجارية التي يديرها العرب عامة والسوريون بالأخص، في شارع (LANDWEHRSTRABE)، لتؤكد على أن عشرات الآلاف من المهاجرين الذين استقبلتهم ألمانيا يتجاوبون ويمتزجون سريعا في الثقافة الألمانية ويبرعون في الأعمال التجارية والأسواق ويمتلكون القدرة على إدارة وتنمية الأموال ويسهمون بقوة في إنعاش الاقتصاد الألماني وتعزيز السياحة. يعيش الألمان اليوم عصرهم في أمن واستقرار وسلم ينعمون برفاهية العيش ورخاء الحياة، يعملون بجد وإصرار يوظفون العلم والمعرفة والبحث العلمي والابتكار لتحقيق المزيد من المنجزات الحضارية، منشغلين كلية بمتانة اقتصاد بلادهم وضمان منافسته لأعتى الاقتصاديات وتعزيز الموارد والاستمتاع بملذات الدنيا الكثيرة، فالعصر عصر تمدن وعصرنة وتقدم ورقي ورخاء وتكتلات اقتصادية ومعالجات لمشاكل الإنسان.