لم يتغير العالم كثيراً على مر آلاف السنين على كوكب الأرض، ولم يزِد عدد سكان الأرض حتى أواسط القرن الثامن عشر على النصف مليار إنسان ولم تستهلك الموارد، بل لم تكتشف أصلا حتى وقت قريب، وكانت نظرية الانتقاء الطبيعي أحد أهم أوجه الاستمرار الإنساني، فلم يكن يعيش من المواليد إلا أكثرهم مناعة وقوة ولم يكن ينجو من الصبية إلا أشدهم قوة وذكاء ولم يكن يستمر من التجمعات السكانية أو المجتمعات المصغرة إلا تلك القادرة على التعامل مع تحديات الوجود والحرب وبناء التحالفات والتخطيط للتقلبات، وهكذا كانت نظرية الانتقاء الطبيعي تسود على الكوكب في كل مكوناته، فالكائنات الأسرع عدوا أو الأقوى غالباً تكون هي الأقدر على البقاء وإنتاج نسل يحمل النمط الظاهري الذي يحابيه الاصطفاء حيث إن الاصطفاء الطبيعي هو عملية مهمة (لكن ليست الوحيدة) يحدث من خلالها التطور في التجمعات الأحيائية. وبخلاف الاصطفاء الاصطناعي، الذي يقوم فيه الإنسان بمحاباة سمات معينة، في الاصطفاء الطبيعي، البيئة هي التي تقوم بغربلة السمات والسماح لسمات معينة بالمرور للأجيال اللاحقة. وهذا ما حدث بعد اكتشاف التطعيم والتعقيم، مما أدى إلى الانفجار السكاني غير النوعي ليصل عدد السكان إلى ما يقارب ثمانية مليارات نسمة في فترة زمنية قصيرة جداً، بل تكاد لا تذكر في عمر البشرية. والقصد وراء القول هنا هو أن كافه الأجناس حافظت على بقاء الأفضل خلال آلاف السنين بما في ذلك الجنس البشري، ولكن خلال القرنين السابقين وبحكم المتغيرات الطبية والتكنولوجية أصبح التنافس على الوجود ليس على أساس التميز ولا الاصطفاء ولا الأفضلية وبالنتيجة وجدت أجيال لا تدخل في باب المنافسة الانتقائية، الأمر الذي أثر لا شك على جودة البشر من الناحية البيولوجية التكوينية وكما أشارت أيضاً الدراسات البيولوجية ودراسات علم النفس الاجتماعي والسلوكي وأيضا الدراسات الدينية كما هو مشار إليه في الحديث الوارد في صحيح البخاري رقم 2995، بمعنى أن الإنسان يرث جزءا من صفاته كما يرث تكوينه الجسدي، فعليه وبالارتكاز على نظرية الانتقاء الطبيعي فكما ظهرت سلالات بشرية ضعيفة نسبيا من الناحية التكوينية فكذلك تمتعت هذه السلالات الجديدة بضعف على مستوى الصفات والسمات الشخصية. وباعتقادي هذا يفسر نظرية باريتو والتي تقول إن نسبة قليلة جداً من الأحداث تؤثر على الحجم الأكبر من النتائج، وبالإشارة إلى أن أقل من 4٪ من سكان الأرض يسيطرون على أكثر من 90٪ من موارد وثروات العالم، ولكن بقي السؤال الجوهري الأزلي هل يؤدي هذا التطور المستمر للسلوك الإنساني إلى العدالة الوضعية بأي حال من الأحوال، وللإجابة عن هذا التساؤل لابد من وجود تعريف متفق عليه للعدالة وهو الأمر الغير متوفر نظراً لاختلاف متطلبات البشر على أساس القيم والأديان والتركيب النوعي وغيرها، إلا أن مطلب العدالة لم يكن بأي حال من الأحوال متوفرا لسبب أصيل وثابت وغير قابل للتغيير وهو ما بدأت به كلامي عن نظرية الانتقاء الطبيعي، فمهما زاد عدد البشر وتنوعت المعارف يبقى البقاء للأفضل، وبالمناسبة هذا هو معنى اسم رسولنا الكريم محمد عليه الصلاة والسلام، أي المصطفى المختار، وإلى أن نلتقي هذه تحية محبة وإلى اللقاء.