تكلفة الفرصة البديلة

الحياة، هذا المفهوم الواسع والذي يعتبره البعض تلك الفترة التي يحياها كل كائن حي والممتدة ما بين لحظة ولادته وحتى لحظة مماته وإنقطاعه عن القيام بأي علامة من علامات الحياة أو التفاعل مع ما يحيط به سواء أكان هذا التفاعل عبارة عن أفعال أو رد أفعال. وبالرغم من المفهوم الشامل والواسع لمفهوم الحياة إلا أنها تتميز بأنها مليئة بالأفعال والإختيارات التي تترك آثارها على كل من الحاضر والمستقبل وهو ما يجعل الإنسان في حالة بحث دائمة عن أفضل القرارات التي يجب عليه المضي قدما بها وخاصة على المستوى الإستثماري، يساعده في ذلك ما بُنِي عليه علم الإقتصاد من مفهوم ندرة ومحدودية الموارد المتاحة والذي يجعل من تصرفات الإنسان مكانا واسعا يحمل في ممراته إحتمالات عديدة للإتجاه إما لتحقيق الربح أو لتحقيق الخسائر، بل ويزيد عن ذلك حتى في احتمالات تحقيق مستويات متعددة من كل منها، فالربح بمعناه الرقمي يتأرجح بين الربح الوفير والربح المحدود والخسارة بمعناها العام تتحرك في المنطقة ما بين الخسائر الفادحة والخسائر الهامشية. بداية فإنه وفي علم الإقتصاد ونظرا لإفتراض إستمرار تغيُّر الظروف المحيطة فإن المستثمرين غالبا ما يقيسون مكاسبهم وأداءهم عن طريق مقارنتها بمكاسب وأداء الآخرين أو المنافسين، فتحقيق أرباح بمعدل 10% بالمقارنة مع نمو عام بالإقتصاد بمعدل 20% قد يعتبر لدى البعض إخفاقا وفشلا، وبالمقابل فإن تحقيق خسائر بسيطة في ظل إنحدار كبير بأعمال الشركات الأخرى يُعتبر أداء متميزا ونجاحا تتباهى به الشركات، هذا التفاوت والتناقض في قياس الأداء جعل من مفهوم تكلفة الفرصة البديلة أحد أهم مفاهيم الإقتصاد الحديث، فما هي تكلفة الفرصة البديلة ؟ وكيف يتم قياسها؟ وما هي أهميتها؟ وبالتفاصيل فإنه يمكن تعريف تكلفة الفرصة البديلة بأنّها القيمة المتوقّعة للأرباح والتي تمت خسارتها من المشروع القائم الذي إختاره المستثمر والذي كان من الممكن تحقيقه لو تمّ اختيار مشروع آخر، أي أن المقارنة بين أرباح المشروع الذي تمّ اختياره مقابل المنفعة التي تمّت خسارتها من عدم إختيار أي بديل آخر لمشاريع كان من الممكن إختيارها للإستثمار، وبإختصار فإنها عبارة عن تكلفة ترك البديل المتاح مقابل التمسّك بأي بديل آخر. ولتوضيح الصورة فإنه وفي عالم الإستثمار بالبورصة مثلا، فإن المتداول غالبا ما يقيس مدى صحة قراره بإختيار شراء أسهم معينة بمقارنة الأرباح المحققة من إستثماره بها مقارنة بما حققته الأسهم الأخرى من إرتفاعات، فتراه بكثير من الأحوال ممتعضا مما حققه من أرباح برغم وفرتها وذلك عند مقارنتها بالإرتفاعات الكبيرة للأسهم الأخرى مثلا، وهو شكل من أشكال تكلفة الفرصة البديلة والتى قد يعتبرها البعض مقياسا هاما للأداء.  مثال آخر وعلى فرض أنه يجب على صاحب العمل أن يختار بين إستثمار الأموال في بناء مبنى وتأجيره أو إستخدام المال لشراء معدات جديدة للتوسع بنشاط أعماله، وبغض النظر عن الخيار الذي يتم إختياره، فإن الربح المحتمل للإستثمار المتروك يُسمى تكلفة الفرصة البديلة. وبالحديث عن أهمية مفهوم تكلفة الفرصة البديلة فيمكن توضيحها بأنه يُستخدم في عملية المفاضلة لإتخاذ القرارات الإدارية والإستثمارية، حيث يتم اللجوء إليه لتقييم البدائل، وهو كذلك يظهر بشكل واضح في التقارير والدراسات عند التخطيط لاتّخاذ قرارٍ معيّن، خاصة إذا كانت هناك عدّة خيارات يجب التضحية بمعظمها لإختيار الأفضل منها بهدف تحقيق أعلى فائدة ممكنة، ونذكر أنّه يجب في هذه الحال القيام بدراسة دقيقة لجميع الخيارات، ليتم إختيار إحداها والتضحية بما بقي منها قبل القيام بعملية التقييم لمعرفة هل الخيار البديل كان هو الخيار الأفضل أم لا. وأخيرا وبرأيي الشخصي فإن الإنسان وفي سبيل سعيه الدائم لتحقيق أفضل النتائج من دون النظر الى حاجاته الحقيقية، وفي ظل ما يواجهه من عوائق في هذا السعي والتي غالبا ما تتمثل بمحدودية الموارد المتاحة من أموال أو معرفة أو حتى وقت، فإنه دائما ما يواجه معضلة الإختيار والتي غالبا ما تليها كلمة لو أنني قمت بذلك لكنت قد حققت ما يلي، وهنا تكمن فكرة الحياة ويكمن أيضا جوهر حريتها، وهنا أتذكر مقولة مصطفى محمود الجميلة «ليس أمامي سبيل غير أن أختار، لابد أن أختار في كل لحظة فإذا أضربت عن الإختيار كان إضرابي نوعاً من الإختيار».