البيئة الاستثمارية في أي بلد، قد تكون منفرة لرجال الأعمال، طاردة للأموال، معادية للمستثمرين، لا تحفزهم ولا تشجعهم على الإقبال والتزاحم على تأسيس المشاريع التجارية وتوطين أعمالهم، أو الدخول في شراكات لتعزيز وتقوية مراكز استثماراتهم في مختلف المجالات والأنشطة والأعمال المتاحة، بسبب انتشار وشيوع وتجذر الفساد بكل أنواعه، وتعقيد الإجراءات، وضعف مؤسسات المجتمع المدني، وضبابية القوانين والتشريعات وعدم قدرتها على حماية المستثمر وتقديم ضمانات جيدة لأعماله وأمواله. وقد تكون البيئة على عكس ذلك، جاذبة محفزة حاضنة بقوة التشريعات الحمائية والضامنة لحقوق المستثمرين، وفاعلية واستقلالية ونفوذ المؤسسات الممثلة للمجتمع، وتسهيل الإجراءات، وتوفير الامتيازات، وآليات وسياسات مرنة لجذب المستثمر. تقود البيئة الطاردة إلى ضعف وتراجع وانكماش الاقتصاد، وإلى شح الوظائف وزيادة الفقر وقلة الدخول، فيما تؤدي الثانية إلى التعافي والنمو وقوة الاقتصاد، وإلى رفاهية وازدهار المجتمعات. وقد أحدثت تراجعات وتذبذبات أسعار النفط الحادة في الأسواق العالمية خلال العقد المنصرم، وتأثيرات الإجراءات والاحترازات المصاحبة لجائحة "كوفيد١٩"، تحولات مهمة في تفكير قادة وحكومات البلدان الخليجية، من أبرزها التفكير الجاد في إجراء إصلاحات في الرؤى والتشريعات والخطط والبرامج والإجراءات، وتطويرات على هيكلة المؤسسات الحكومية، وتطبيق الحوكمة، وفي التفكير العام يضع الشأن الاقتصادي في مقدمة الاهتمام وفي مركز العملية الإصلاحية، لضمان إنجاح سياسات التنويع، والاستغناء التدريجي عن النفط كمصدر أساسي لتمويل الموازنات الخليجية، وتوفير الوظائف واستثمار الامكانات والثروات والقطاعات الوطنية والخبرات العالمية في تحقيق هذه الغايات. في سلطنة عمان، وبتاريخ السادس من ديسمبر الماضي، أوصى مؤتمر "التحفيز الاقتصادي"، بـ: أولا:- "إنشاء برنامج للتوازن الاقتصادي، لتقديم مبادرات لتحفيز الاقتصاد وتحسين بيئة الأعمال وزيادة الصادرات واستعمال التقنية المتقدمة". ثانيا: إطلاق "برنامج إلكتروني لمحاكاة الرسوم والضرائب والحوافز الاقتصادية"، يسعى إلى تقييم أداء الشركات والأعمال وظروفها المالية وقدراتها على التعاطي مع الأوضاع السائدة ومكاسبها المالية، وتأثيرات السياسات المقرة عليها. وذلك قبل "إقرار الرسوم أو الحوافز...". ثالثا: "إعادة تقييم ومراجعة البرامج ذات العلاقة بالنشاط والنمو الاقتصادي"، لتبين "مدى انسجام السياسات والقرارات الحكومية مع السياسة العامة للدولة" الخاصة بالنشاطات الاقتصادية وبيئات الأعمال. رابعا: "تخفيض الفوائد على الودائع لحث المودعين على الاستثمار في مشاريع إنتاجية إذا ما توفرت لهم بيئة الأعمال المناسبة وبالتالي ستتمكن البنوك من خفض فوائد القروض". خامسا: "إنشاء وحدة ائتمان لتحديد سعر الفائدة بناء على سجل المخاطر من خلال تفعيل مركز عمان للمعلومات المالية والائتمانية". سادسا: إطلاق "برنامج لدعم كلفة الاقتراض خاصة بالنسبة للقطاعات الاقتصادية الواعدة، لتحفيز معدل النمو الاقتصادي في البلاد، وتسريع القدرة على خلق المزيد من فرص العمل للشباب في القطاع الخاص". إلى جانب جملة أخرى من التوصيات التي تهدف إلى خلق "معززات لبيئة الاستثمار". والعبرة في بلداننا العربية، ليس في إطلاق المؤتمرات والندوات وإعداد الخطط والتوصيات، ولكن بالتطبيق العملي والتنفيذ الواقعي الذي تنعكس نتائجه مباشرة على البيئة الاستثمارية والأنشطة التجارية المختلفة الضامنة كذلك لنجاح الغايات والأهداف ذات العلاقة بالتنويع والنمو.