الذكاء، تلك الشعلة الصغيرة التي ما إن تلمع في رأس أحدنا إلا وتنقله من مكان إلى آخر ومن مستوى وحياة إلى مستوى وحياة أفضل بكثير، عطاء رباني لدى كل شخص ولكن بنسب مُختلفة أو بطرق مُختلفة، فمنا من هو ذكي ويُدرك أنه ذكي ومنا من هو أكثر ذكاء ولكنه لا يعرف ومنا من يعتقد أنه الأذكى بينما أنه قد يكون مثل غيره أو حتى أقل، ولكنه وكما تعودنا نحن البشر يحكم على ذكائه بما يظن أنه أهل لذلك، ولكن لو نظرنا وأمعنا النظر في حياتنا لعرفنا الحقيقة، فصاحب الملايين ذكي، وصاحب الصحة الجيدة ذكي وصاحب الأصدقاء والحياة الاجتماعية الجميلة ذكي، ومن يعيش بين أهله وفي سربه ذكي وغيرهم الكثير والكثير، كُلهم أذكياء ولكن لكل طريقته ولكل أولوياته، فالعاشق يبحث عمن يحب ويعتبر أن نجاحه في الوِصال، والتاجر يريد المال ويسعى لتحقيق الربح عبر البيع والشراء، وكذلك العالِم الذي أفنى حياته وهو يقرأ، مستعد أن يبيع كل ما يملك ليُثبت للناس صِحّة نظرياته العِلمية، أما الطفل فإنه لا يترك وسيلة ولا طريقة إلا ويستخدمها للحصول على بعض من الحلويات والسكاكر وما إن يفعل حتى يعتقد أنه قد ملك العالم، كل منهما قد تخلى عما يملك ليحصل على ما يريد، وهنا جوهر الفكرة، فهل من يتزوج بمن يحب هو أكثر نجاحا ممن يملك المال الوفير؟ أم أن الطفل الذي استطاع أن يُقنع والديه بأكل الحلوى يوميا هو أكثر ذكاء من العالِم الذي لم يستطِع أن يُقنع الناس من حوله بما يظن أنه الحقيقة؟ تفاوتات كبيرة ومقاييس مُختلفة، يزِن بها الناس أفعالهم ليثبتوا للآخرين ولأنفسهم أنهم هم الأفضل وأنهم لو أرادوا لحقّقوا كل ما يحلمون به، فكم من شخص قال لو أن هدفي المال لكنت قد جمعت منه الكثير، وكم من عازب برّر وحدته بأن الالتزام بالعائلة والأولاد كان سيقضي على مسيرته المِهنيّة، وكم من عالم أو مُفكر انتهى به الحال منبوذا وسط من يظن أنهم جهلة جامدي التفكير، معادلات صعبة ومُتغيرات كثيرة هي من تحكم عالمنا وتعاملاتنا الإنسانية. وهنا وعلى الصعيد العام لا بد أن نعترف بأنها وإن كانت صعبة إلا أنها أكثر سهولة في تحديد سلوكها وأهدافها وهو ما جعل من فكرة الذكاء الصناعي شرارة تنطلق منها ثورة اقتصادية جديدة، فالنجاح أو الذكاء يُقاس بالنتائج التي تعتمد على مدى تحقيق الأهداف الموضوعة مُسبقا وليس على غيرها، وهنا يأتي السؤال المهم، فما هو الذكاء؟ وما هو تأثيره على الاقتصاد؟ وما هي الخطورة الاقتصادية في تعامل أي شخص مع الآخرين على أنه هو الأفضل أو الأذكى اقتصاديا واستثماريا؟ أولا وقبل كل شيء فإنه من المهم جدا معرفة أن الذكاء هو مفهوم غامض، ولكن وبشكل عام فإن البعض يعتبر أن الذكاء هو سرعة في الفهم والبديهة، وأنه نشاط فكري ومعرفي يقوم به العقل، على ألا يكون مرتبطاً مع التحصيل الأكاديمي أو المنهجي، فهو قد يتعدّاه إلى جوانب أخرى كالذكاء الاجتماعي، واللغوي، والرياضي، والاقتصادي، حيث يتميز كل شخص بنوعٍ أو أكثر من أنواع الذكاء، أما من الناحية الاقتصادية فالذكاء الاقتصادي يراه البعض بأنه ابتكار مختلف الطرق والأنشطة والممارسات التي توجه مُتخذي القرار في المؤسسة نحو اتخاذ قرارات صائبة، وذلك عبر توفير المعلومات الصحيحة في الوقت المناسب وبالجودة والدقة والكمية المطلوبة، هذا ويُمكِن تعريفه أيضا بشكل أكثر شمولا بأنه ذلك النظام الكفيل برصد بيئة المؤسسات والذي يُمكّنها من اكتشاف الفرص والتهديدات ونقاط القوة والضعف عبر مجموعة من الأنشطة المتعلقة بالبحث، والمعالجة، والتوزيع، ونشر المعلومات بشكل مفيد يساعدها على اتخاذ القرارات الصائبة وتعزيز قدراتها التنافسية، ومن هنا يُمكن القول بأن تبنِّي الذكاء الاقتصادي يُمكِّن المؤسسات من معرفة ما تحتاج إليه من معلومات عن بيئتها (الأنشطة، المصادر، الزبائن، الأسواق، المنتجات، الخدمات، الأسعار،...، وغيرها) وهو ما يُمكنها من وضع تصور واضح إزاء عملياتها الراهنة واستباق وإدارة التغييرات استعدادا للمستقبل من أجل تصميم الإستراتيجيات الملائمة لتحسين الربحية في الأسواق الحالية والمستقبلية، فهم يساعد وبكل بساطة على تطوير منتجات وخدمات جديدة بالإضافة لتحسين المبيعات عبر خلق مزايا تنافسية مستدامة وهو ما يزيد من كفاءة عمل المؤسسات عبر توفير المعلومات الدقيقة التي تُساعد في اتخاذ القرارات عالية الجودة والتي تزيد من ربحية المؤسسات عبر تطوير سوق العمل، ودعم أنشطة البحث والتطوير والإبداع والابتكار وبالتالي الاستغلال الأمثل للموارد بما في ذلك التكنولوجيا والعلوم المتطورة والحديثة. وأخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي فإن الذكاء هو أن تعرف كيف تستفيد من كل الموارد الموجودة حولك وبشكل مثالي، على أن يتم ذلك ضمن إطار قانوني وأخلاقي يتّفق مع الأفكار الإنسانية والاجتماعية، وهنا أتذكر مقولة "ستيف جوبز" حين قال "نحن لا نوظف الأشخاص الأذكياء لكي نخبرهم ما عليهم أن يقوموا به، بل نحن نوظف الأشخاص الأكثر ذكاء منا ليخبرونا هم ما الذي يجب علينا نحن أن نفعله". وهنا أستذكر قصة "الطفل الصغير الذي كان يذهب يوميا إلى محل الحلاقة، وما كان يصل حتى كان الحلاق يهمِس للزبائن ويقول: هذا أغبى طفل في العالم... انتظروا وسأُثبت لكم ذلك، ثم كان يضع دولاراً بيد وربع دولار باليد الأخرى، ثم ينادي على الطِّفل ويعرض عليه المبلغين، فيأخذ الولد الربع دولار ويمشي، وهنا كان يقول الحلاق: أرأيتم كم هو غبي، فهو في كل مرَّة يُكرِّر نفس الأمر !!وعندما خرج أحد الزبائن من المحل، انتابه الفضول وذهب للولد الذي كان خارجاً من محل بيع الآيس كريم وسأله: لماذا تأخذ الـربع دولار كل مرَّة وتترك الدولار؟! وهنا ضحك الولد وقال له: لأنه يا صديقي، في اليوم الذي سآخذ فيه الدولار سوف تنتهي اللعبة ولن يعرض عليَّ الحلاق المال مرة أخرى".