لن يكون حديثنا عن المديرين بعيدي النظر ذوي الشخصيات المؤثرة، ولا عن رؤى مستقبلية لمنتجات جديدة، ولا عن أفكار مستقبلية للسوق. لكن سوف نذهب معاً إلى أمر أكثر خطورة وأهمية وهو "الشركات بعيدة النظر".
ويقصد بالشركات ذات الاستراتيجيات بعيدة النظر الشركات الرائدة التي تعد درة التاج في مجالها، وتحوز إعجاب واستحسان نظيراتها في العالم، وتتمتع أيضا بسجل حافل بالإنجازات التي أثرت في العالم من حولها، والنقطة الأساسية هنا أن هذه الشركات «منظمات» أو مؤسسات بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
ولهذا نحتاج جميعاً أن نعرف: ما الذي تتميز به شركات مثل: جنرال إليكتريك General Electric وثري إم 3M عن منافسيها؟ كيف أزاحت بوينج Boeing مكدونيل دوجلاس McDonnell Douglas واحتلت موقع الصدارة كأفضل شركة لإنتاج الطائرات التجارية؟ ما الذي تميزت به شركة بوينج عن مكدونيل دوجلاس؟ وإجابات تلك الأسئلة تدور حول القدرة على إنشاء وصناعة رؤية وقيم جوهرية ومبادئ خاصة بتلك المؤسسات في نفس الوقت الذي يتم فيه إحداث تطور مستمر.
فإن تحديد أين ستسير أمر يتغير بتغير العالم من حولك، فإن القادة يموتون، والمنتجات تصبح مهجورة، والأسواق تتغير، والتكنولوجيا الحديثة تظهر، والموضات الإدارية تظهر وتندثر، ولكن الإيديولوجية الجوهرية تظل مصدرًا للإرشاد والإلهام. وقد قال بيل هويليت عن صديق عمره وشريكه ديفيد بيكارد عند موته: (بقدر ما ستستمر لهذه الشركة قيمتها، سيظل الأمر العظيم الذي خلفه هذا الرجل وراءه هو مدونة القيم التي عرفت باسم "طريق إتش بي" أو "Hp Way").
فإن الإيديولوجية الجوهرية لشركة إتش بي ـ والتي كانت دليلاً للشركة منذ نشأتها ـ تتضمن احترامًا شديدًا للأفراد، وتكريس للجودة والدقة رخيصة الثمن، والالتزام بالمسؤولية الاجتماعية (بيكارد تبرع بميراثه وهو حصته في شركة بيكارد 4.3 بليون دولار لمؤسسة خيرية).
فالمبادئ الحيوية والمستمرة للمنظمة هي مجموعة من القيم المهمة للعاملين داخل المنظمة غير المقيدة بزمن معين أو بيئة معينة، فالقيم الجوهرية لشركة والت ديزني مثل الخيال والحكمة لا تنبع من احتياجات السوق وإنما من القيم الداخلية للمؤسسين حيث رأوا ضرورة رعاية الخيال والحكمة.
وتركيز كل من ويليام بروكتر وجيمس جامبل على تميز المنتج لم يكن استراتيجية للنجاح ولكنه كان مبدأ دينيًا، ظل هذا المبدأ يتنقل لأكثر من 15 عقدًا من الزمن بواسطة العاملين والإداريين في بروكتر أند جامبل. تقديم الخدمة إلى العميل إلى حد التذلل له هي طريقة حياة عند شركة نوردستورم والتي تعود جذورها إلى عام 1901م، أي ثمانية عقود قبل شيوع برامج خدمة العملاء.