المستوى العام لدخل المواطن، سلوكيات المستهلك، القوة الشرائية، حجم العمالة وقدرة القطاعات الاقتصادية على استيعاب الباحثين عن عمل، السياسات الحكومية في دعم أسعار السلع الاستهلاكية والوقود وخدمات الكهرباء والماء، مستوى الضرائب والرسوم التي تفرضها الجهات المختصة، حجم المشاريع التي تمولها الحكومة والمجالات التي تمتص الموارد المالية والقروض التي تلجأ إليها الحكومات.. جميعها محفزات أو معيقات تقف وراء نشاط السوق أو ركوده، ارتفاع الأسعار أو انخفاضها، نمو الاقتصاد أو تراجعه، نجاح سياسات تنويع مصادر الدخل أو فشلها. وقد أخذت الحكومات الخليجية بالخيار الأسهل والأيسر - الذي يلجأ إليه حتى المواطن البسيط في مواجهة انخفاض دخله - توجهت إلى تطبيق سياسات التقشف وزيادة الضرائب والرسوم ورفع الدعم عن السلع والخدمات ووقف الترقيات... وهي سياسات تضرب الاقتصادات الوطنية والشركات المتوسطة والصغيرة ومشاريع الشباب في مقتل وتؤدي إلى ضمور السوق وضعفه والانكماش الاقتصادي والتضييق على المواطن وتراجع مستويات الدخل وحياة الازدهار والرخاء وزيادة البطالة.. وهو ما نلمسه ونقرأه في كل مفصل من مفاصل الحياة وفي ملامح المواطن الخليجي ونبرات صوته وفي التعبير بوضوح وصراحة في وسائل التواصل التي تضج بالشكوى والغضب، وقبل عدة أشهر قرر مجلس الشؤون المالية وموارد الطاقة في السلطنة تأجيل تطبيق قرارات جديدة بتحديد الرسوم والأثمان والتأمينات والضمانات المالية التي يحصلها قطاع البلديات، وتم (منح فترة سماح حتى الأول من يوليو 2018م للمؤسسات والشركات لتعديل أوضاعها التجارية على ضوء القرارات فيما سيتم تشكيل فريق عمل من الجهات المعنية بضم غرفة تجارة وصناعة عمان لتقييم الآثار المترتبة على تلك القرارات) على خلفية الاحتجاجات الواسعة من قبل المجتمع على تلك القرارات. ولو أخذنا آثار رفع الدعم عن أسعار الوقود مثالا فإن المجتمع يعيش اليوم بين أمنيتين أو رغبتين متناقضتين وهما أن تشهد أسعار النفط انتعاشا وارتفاعا في الأسواق العالمية، وفي المقابل أن تنخفض أسعار الوقود في المحطات في السوق المحلي، فما يجري الآن أن ارتفاعه في السوق العالمي ينعكس ارتفاعا كذلك في السوق المحلي ولهذا التناقض مخاطره الاجتماعية على المواطن ممثلا في حالة من القلق وعدم الاستقرار والفجوة التي تتسع بين مصالحه التي تتآكل من جانب ومصالح اقتصاد بلده المتجه كما يعبر هذا المواطن إلى تسديد عجزه المتراكم من جيوبه، والاقتصادية بارتفاع الأسعار وانكماش السوق من جهة أخرى، مع غياب الخيارات المتمثلة في الصناعات الوطنية وتعدد وسائل النقل ليختار المواطن ما يتناسب مع قدراته المادية. وفي مقال لي نشر قبل عدة سنوات بعنوان (النقل العام معلم من معالم المدينة الحديثة وعلاج لمشكلات كبيرة) طالبت بإنشاء وتطوير شركات للنقل العام في السلطنة بمختلف وسائله وأشكاله، باصات كبيرة ومترو أنفاق وقطارات وذلك في ظل تنامي عدد السيارات الخاصة وما يشكله ذلك من ضغط على الشوارع وازدحام شديد وتعطيل للمصالح وارتفاع متصاعد لنسبة الحوادث المميتة وتلوث وإزعاج وموازنات باهظة الثمن لتوسعة وصيانة وإنارة وإضافة شوارع جديدة تخفف من وطأة الازدحام، كما أن ثقافة سيارة خاصة لكل مواطن باتت تستنزف جزءاً كبيراً من الراتب الشهري خاصة بالنسبة لذوي الدخول المحدودة بما في ذلك قيمة الوقود.