الزراعة ضحية العولمة

من أهم تحديات القرن الـ 21 تأمين الإنتاج الغذائي الجيد لمليارات السكان الذين يتزايدون خاصة في الدول الأكثر فقرا. لن تنجح الزراعة مجددا إذا لم يتم الانتباه في نفس الوقت إلى الثروة المائية وإلى التقدم العلمي لزيادة الإنتاجية ورفع مستوى النوعية. التنبه إلى السلامة البيئية يعزز الإنتاج الزراعي وسلامته. المهم أن يستمر دعم البحث والتطوير الزراعي للجامعات ومراكز البحوث لأن الأموال العامة أصبحت قليلة ويتم البحث عن التمويل من الشركات. مشكلة التمويل الخاص أنه يهدف إلى الربح وبالتالي نشاطات البحث والعلوم يمكن أن تكون مركزة على ما يفيد هذه الشركات مباشرة ولا يخدم الإنسان في أهم حاجاته. هذا يحصل أيضا في الصحة حيث تنفق المليارات على الأدوية الباهظة وتترك أدوية الفقراء في سلات الإهمال. تقدر قيمة تمويل البحث الزراعي عالميا بـ 33 مليار دولار كان يأتي معظمه من الموازنات العامة. يستفيد البحث الزراعي أيضا من التقدم الحاصل في العلوم الأخرى كالفيزياء والكيمياء والطب. الكورونا عززت الزراعة لأن الأزمة المالية العالمية وتدني الدخل الفردي والعائلي دفعا ملايين الأشخاص إلى العودة إلى الزراعة الخاصة لتخفيض الفاتورة الاستهلاكية. نشهد اليوم زراعة منزلية متنوعة وجيدة. انخفاض الدخل نتيجة الكورونا سيدفع بـ 130 مليون شخص إضافي إلى الجوع قبل آخر هذه السنة تبعا للأمم المتحدة. في السنوات الأربعة الأخيرة، عانى العالم من الصراعات السياسية الحادة ومن مشاكل التغيير المناخي كما من سوء الاستقرار الاقتصادي. نتج عنها كلها ارتفاع عدد الجائعين من 80 مليون شخص إلى 135 مليونا. إذا أضفنا إليها تقديرات الأمم المتحدة، سيرتفع عدد الجائعين إلى 265 مليون شخص قبل نهاية 2021. من أسوأ النتائج التي صدرت عن العولمة تضخم القطاع الثالث أو الخدمات. انحدر القطاع الزراعي إلى حدود لم نعرفها من قبل. الجميع يريد العمل في القطاع الخدماتي أي المصارف والتأمين والسياحة والبورصة وغيرها والقليل يريد أن «يلوث» يديه في الصناعة والزراعة. انتعشت كليات إدارة الأعمال ماليا وبشريا وتجهيزيا. نشرت ما تدرسه عالميا أي وسائل عملية للاستثمار والمضاربة لا تخلو من المخاطر الكبيرة. لم يعد بإمكان كليات الزراعة الاستمرار لغياب الطلب على خدماتها، فأقفل عدد كبير منها أو تعثر التمويل في بعضها الآخر. هنالك اليوم عودة معاكسة إلى الزراعة بعد أن تبين للجميع أخطاء التهور في الأسواق المالية. الزراعة ليست قطاعا فقط، إنما مصدر للحياة أي إنتاج السلع الزراعية والحيوانية المؤثرة إيجابا على المناخ والصحة. حتى في الدول التي لها مناخ مناسب تدنت حصة الزراعة في الاقتصاد وتدنى الإنتاج وارتفعت الأسعار وأصبح من الصعب إحياء الزراعة. استطاعت أوروبا كما الولايات المتحدة الحفاظ على حيوية زراعاتها عبر الدعم السخي بعشرات مليارات الدولار سنويا استفاد منها للأسف كبار المزارعين مما وسع فجوة الدخل. هذا طبعا جزء من الفساد الذي لا تخلو دولة منه في أيام الجشع والضبابية.