تقوم الحكومات في العالم العربي ومؤسساتها المتخصصة، بجهود تسويقية واسعة وتسخير وتوجيه الوسائل والقنوات الإعلامية الرسمية للترويج لمشاريعها الاقتصادية وسياساتها وبرامجها الانفتاحية المحفزة، في رسالة موجهة تتحدث عن تطوير القطاعات الواعدة وتحفيز السوق وجذب الاستثمارات وتوقيع الاتفاقيات المشتركة مع شركاء اقتصاديين وتنويع الموارد وتوفير فرص وظيفية جديدة والحرص على تحقيق النمو الاقتصادي بشكل عام، والمجتمعات العربية هي المستهدفة من هذا التسويق لنيل رضاها وتعزيز الثقة وتقوية دور السلطة التنفيذية وضمان بقاء النظام السياسي لسنوات أطول في الحكم وبث رسالة طمأنينة على أن الحكومات ماضية في تحقيق الرخاء الاقتصادي والازدهار المجتمعي. في المقابل تتولى الأرقام والمؤشرات دور المؤكد والمبرهن وتعلن عن نجاح أو إخفاق تلك الحكومات في تحقيق الغايات التي تضمنتها السياسات والبرامج المتجددة، والتي ظلت لسنوات تسوق لها، ومن المؤسف أن الهوة تظل دائما عميقة بين الخطط المضخمة إعلاميا وما تتضمنه من حلول للمشاكل الاقتصادية المتفاقمة التي يعاني منها المجتمع، والنتائج التي لا تقدم عمليا أية مؤشرات عن تطور ونمو وعلاج، وهذا ما يؤدي إلى أن يفقد المواطن العربي ثقته في سياسات حكوماته واظهار السخرية وعدم الجدية من الخطاب الإعلامي الرسمي، وترسيخ القناعات بأن ما تقوم به الحكومات العربية ليس إلا نوعا من التسويف والمماطلة والعلاجات المسكنة وتظل المشكلة دائما عالقة بين النظريات ممثلة في (الخطط والبرامج) وبين (التطبيق والتنفيذ) تؤكد على الخلل الاقتصادي الذي تواجهه الدول العربية، فالاقتصاد هو الذي يقود القاطرة في نهاية الأمر إلى الازدهار والرخاء والنمو والتقدم وتعظيم المنافع، أو التخلف والفقر والجهل وتفشي البطالة والفساد والفوضى وهجرة الكفاءات وكانت - هذه القاطرة - وما زالت تعيق نهضة العالم العربي، وذلك عائد إلى أسباب عديدة من بينها: الخلافات السياسية والصراعات الداخلية المستحكمة التي تؤدي إلى زعزعة الاستقرار وتضييع الفرص واهدار الموارد والثروات، ضعف التعليم بشكل عام وعدم قدرة مؤسساته ومناهجه وتخصصاته على مواكبة التطورات الهائلة والثورات المتتابعة التي يشهدها العالم المتقدم في المعلومات والاتصالات والتقنيات ومتطلبات أسواق العمل، ضعف القوانين والمؤسسات التشريعية والرقابية أو الخلل في تطبيقها، تداخل الصلاحيات والمصالح بين الخاص والعام وازدواجيتها، اتساع وتضخم ملفات الفساد التي يكون الاقتصاد والمال العام مجالها الخصب، وهي جميعها أسباب مشتركة تعيق بعضها بعضا وتعمل على إبقاء الثغرات مفتوحة تنهمر منها العوائد والأموال العامة إلى جيوب أصحاب النفوذ والمسئولين الكبار الذين يجمعون بين الوظيفة الحكومية والأعمال التجارية ورئاسة الشركات واحتكار المشاريع والوكالات والعلامات التجارية والاستحواذ على المناقصات الحكومية ويوظفون القوانين لتحقيق مصالحهم ويعطلون المؤسسات المختصة بالرقابة والمساءلة، فالأعمال والاستثمارات لا تنشط، والقطاعات الاقتصادية لن تتقدم، وسياسات التنويع سوف تواجه الكثير من المعيقات والعثرات، والمجتمعات لن تتحقق طموحاتها في بلوغ مؤشرات مرضية في مجال الرفاه والرخاء، إلا إذا نجحت الحكومات العربية في تحقيق إصلاحات مؤسساتية وقانونية وادارية تقودها إلى إصلاح اقتصادي شامل تصلح به أحوال الأمة.