"التجارة والإمبراطورية في مسقط وزنجبار" 3/3

شهدت «المنافذ التجارية» المطلة على المحيط الهندي وبحر العرب والخليج العربي وشرق إفريقيا، هجرة وحركة مجموعات وأعراق مختلفة من الهنود والعرب والأفارقة، ومزجت المصالح التجارية قوميات من «الهندوس والبانيان والخوجة، والإسماعيليون، والبهراس والسونارا والبارسيون والوادا، والسنة بمختلف مذاهبهم والشيعة بمختلف مذاهبهم والصوفيون والاباضية والفرس واللواتيا، والغربيون بمختلف مذاهب المسيحيين وآخرون من الذين مارسوا التبادل التجاري منذ آماد بعيدة مع السواحليين... « أما هيمنة البانيان على النشاط التجاري في هذه المنطقة فيعود سببه لعلاقاتهم الوطيدة وتمكينهم من قبل البرتغاليين الذين سيطروا على «المنافذ التجارية»، ودورهم فيما بعد في «مساعدة اليعاربة على حبك مؤامرة خروج البرتغاليين من مسقط نهائيا، ومع توسع دولة اليعاربة اللاحق في شرق إفريقيا استمر التجار البانيان في التجارة مع السواحليين والأفارقة والعمانيين...». ونظرا لتراكم خبراتهم وصلاتهم التجارية الواسعة ونجاحاتهم التي حققوها وامتلاكهم لرؤوس الأموال فقد «رأى الحكام العمانيون» من اليعاربة والبوسعيديون «أنه من المصلحة أن يستمروا في علاقاتهم الحميمة مع البانيان والمجتمعات التجارية الأخرى...». وتعود أسباب ومحفزات الازدهار التجاري في العهد البوسعيدي ونشاط موانئ مسقط ومطرح وصحار إلى «الحرية الدينية حتى بالنسبة للهندوس» التي سمح بها المؤسس أحمد بن سعيد، فقد كان «بعضهم شركاؤه في التجارة وفي بناء السفن، وأكد على سلامة الأفراد والممتلكات في مسقط بقوى كفؤة من الشرطة». ويشير الدكتور محمد رضا إلى الدوافع والأسباب التي شجعت حكام الأسرة البوسعيدية على «إرساء قاعدة من السلطة لهم في شرق أفريقيا، وهي: أولا: التوسع التجاري لمسقط في المنظومة الإقليمية للمحيط الهندي، ثانيا: التعرف على مصالح حكام عمان مع مجموعة من التجار، ثالثا: الغزو المستمر للغربيين على المحيط الهندي». أما أسباب الازدهار التجاري فتعود عوامله ومحفزاته إلى تلك السياسات التي وضعت من قبل الحكام ومن بين أهمها، بناء علاقات وتحالفات مع التجار والأسر التي تمتلك رؤوس الأموال ولديها خبرات واسعة ونفوذ في الأسواق، ف»قصور البوسعيديين في كل من مسقط وزنجبار كانت محاطة بأحياء بنيت خصيصا للتجار»، كما أن العلاقات الشخصية الحميمة وشبكة المصالح التجارية مع هؤلاء التجار «الذين كانوا تحت حمايتهم قد تكون من العوامل الهامة خلف قرار سعيد بن سلطان في الانتقال إلى زنجبار». وفي استنتاجات أخرى توصل إليها الباحث بعد تحليله للمصادر التي اعتمد عليها، وقراءاته الواعية للأحداث، أكدت على أن العمانيين مارسوا التجارة في مناطق شرق إفريقيا في فترات مبكرة جدا تسبق الحكمين اليعربي والبوسعيدي كقبائل «المزارعة والنباهنة والمناذرة والبراونة وغيرهم... ومعظم «هؤلاء التجار يعتبرون أنفسهم جزءا من الهوية العمانية...». كما تسبب «انتقال التجار الأغنياء وملاك الأراضي خلال القرن التاسع عشر من مسقط إلى زنجبار في ركود مسقط...». الكتاب زاخر بالمعلومات والقراءات الثمينة، وتناول قضايا كثيرة ترتبط بالازدهار التجاري في مسقط وزنجبار، بما في ذلك الاصلاحات الزراعية ونمو الصناعات وأنواع السلع التي نما الطلب عليها في تلك الفترة، ويتم تبادلها عبر موانئ المنطقة، وتكامل التبادلات التجارية، وأبرز الطرق التجارية والأسواق والموانئ، مما يصعب الاحاطة به والمرور عليه في مقال.