بين الخصخصة وحرق الشهادات

لن يكون سقف التوقعات من تنفيذ الرؤية عالياً نريد أن نتحلى ببعض الواقعية أعلنت المملكة رؤية التحول الوطني التي ركزت كثيراً على التنمية الاقتصادية، وتعتزم المملكة وفقاً لهذه الرؤية توسيع مشاركة القطاع الخاص في تقديم الخدمات العلاجية بشكل تدريجي. بينت الرؤية أن تركيز القطاع العام سيكون على التخطيط والإشراف ورفع جودة الخدمات الصحيّة من خلال شركات حكومية تمهيداً لتخصيصها، كما ستحرص على توسيع قاعدة المستفيدين من نظام التأمين الصحي. وبقدر ما تملّك الكثير شعور بالفرح لتوسعة مشاركة القطاع الخاص، ارتفع في الوقت نفسه منسوب الخوف من الإخفاق في تنفيذ المشاركة. فالمتوقع الطبيعي أن تتفرغ المؤسسات الحكومية لممارسة دور التخطيط والرقابة ما يساعد على ضبط الجودة وتحسين الخدمات، إلا أن الضعف في ممارسة هذا الدور قد ينعكس سلباً على مخرجات القطاع الخاص في الخدمات العلاجية. الانعكاسات الاقتصادية لهذا التوجه مهمة جداً، فمن جهة ستؤدي الخصخصة إلى وفرة في الميزانية، فمخصصات القطاع الصحي في موازنة المملكة لهذا العام بلغت حوالي 105 مليارات ريال، ومن المنتظر أن تتقلص بشكل كبير في المستقبل. من ناحية أخرى فإن القرار سينعش قطاعات اقتصادية مثل التأمين الطبي الذي بلغ حجمه عام 2014 حوالي 16 مليار ريال. هذا الرقم مرشح للارتفاع بشكل كبير مع انضمام حوالي 1.26 مليون موظف في القطاع العام إلى برنامج التأمين الطبي من خلال القطاع الخاص. تعد التحديات حالة طبيعية تواجه كل عمليات التطوير والتحول الإيجابي في كل المجتمعات. على صعيد تطبيق الرؤية في المجال الصحي، هناك مجموعة من النقاط التي تشكل تحديات أمام نجاحها من بينها:  - قدرة وزارة الصحة على إيجاد بيئة جاذبة للقطاع الخاص، خصوصاً لشركات التشغيل من خارج المملكة، تقوم على تشريعات وأنظمة واضحة، ومعلومات كافية وشفافة تتعلق بكل الجوانب ذات العلاقة بالاستثمار في مجال الصحة. - ضبط الجودة، وهذه تتحقق من خلال تطوير معايير متقدمة في مجال الرعاية الطبية، وفرض شروط صارمة. ويكتسب برنامج مراقبة الأداء على القطاع الصحي في المرحلة القادمة أهمية كبيرة لأنه يتعلق بحياة الإنسان المواطن والمقيم على حد سواء، فإذا كانت تجربة خصخصة الاتصالات قد نتجت عنها أضرار بجيوب بعض المواطنين فإن أضرار ضعف الرقابة على القطاع الصحي قد تودي بحياة هؤلاء لا بجيوبهم فقط. من المناسب هنا الإشارة إلى وجود تجربة جيدة لمجلس الضمان الصحي التعاوني، فمن بين الأنظمة التي يتولى مراقبة تطبيقها عدم جواز ممارسة بيع التأمين الطبي وتقديم الخدمات العلاجية من قبل مؤسسة واحدة. هذه التجربة ينبغي تطويرها لتناسب المرحلة القادمة وتحدياتها. - من بين التحديات للمرحلة القادمة استيعاب الكفاءات المحلية. وزير الصحة تحدث عن أسلوب مبتكر سيساهم في توفير عشرات الآلاف من الفرص للمواطنين في هذا القطاع، ربما هي الـ51 ألف وظيفة صحية التي يشغلها أجانب حالياً.. هذا التحدي يتطلب الكثير من الجرأة للتغلب عليه، وذلك بسبب الطبيعة الربحية للقطاع الخاص التي تدفعه لتوظيف أجانب بسبب تدني أجورهم (أحياناً). الخلاصة: لن يكون سقف التوقعات من تنفيذ الرؤية عالياً، نريد أن نتحلى ببعض الواقعية، فهناك أطباء سعوديون ما زالوا خارج حلبة العمل الطبي، أحدهم أحرق أخيراً شهادته غاضباً أمام مبنى وزارة الخدمة المدنية بسبب بقائه دون وظيفة. وإذا كان استيعاب الأطباء المحليين خلال المرحلة القادمة صعباً فإن أي إنجاز أكبر سيكون مستحيلا.