العلاقة بين الضرائب وثقافة المستهلك

هل هناك علاقة بين إقرار الضرائب والرسوم وزيادة نسبها وارتفاع تكلفة الخدمات وأسعار السلع في السوق من جهة، وانضباط وعقلانية سلوك المستهلك من جهة أخرى؟ بمعنى هل تؤثر الأولى إيجابا على الثانية؟ وهل تحدث تحولات وتغيرات في فكر وثقافة المجتمع لتصبح أكثر وعيا وتنظيما في ضبط المصاريف وفهم السوق وكشف ألاعيب التجار وتحايلهم في استثمار القرارات والسياسات الضريبية الجديدة لمضاعفة الأرباح؟ وقدرة من جانب آخر في تحديد أولويات المشتريات على ضوء الحاجة الفعلية لمتطلبات الأسرة بدقة وذكاء، ومراجعة الخيارات التي يوفرها السوق لاختيار الأقل تكلفة والأرخص ثمنا بجودة تناسب الحاجة، ومقاطعة البضائع أو المحلات التي تغالي في الأسعار، والتحكم في الإنفاق والتخلي عن الإسراف المبالغ فيه، والتعافي من ثقافة المظاهر والوجاهات والشغف بالعلامات التجارية غالية الثمن مباهاة ومجاراة وتأثرا بالآخر «لكي لا أكون أقل منه» حتى وإن كان هذا المقتدى به غنيا مقتدرا؟. مما لا شك فيه بأن إقرار وارتفاع الضرائب ورفع الدعم عن الكثير من الخدمات والسلع التي كان الدعم الحكومي يشملها، وتراجع الدخول جميعها تقود إلى ارتفاع الأسعار في السوق وهي أسباب تجبر - دون شك - المستهلك على تغيير ثقافته وتحدث تحولا في طبيعة سلوكه فتجعله أكثر حذرا ووعيا وضبطا لمصروفاته، وتؤدي كذلك إلى تراجع القوة الشرائية وضعف السوق وإغلاق عدد من محلاته وأنشطته التجارية. فارتفاع الضرائب «يؤدي إلى انخفاض الميل للاستهلاك وازدياد الميل للادخار مما يؤثر سلبا في الأمن الاقتصادي للبلد». لقد عاشت المجتمعات الخليجية على مدى أربعة عقود معفية نوعا ما من الضرائب، وتحملت الحكومات دعم خدمات الكهرباء والماء والوقود، وكانت الوظائف الحكومية شبه مضمونة لكل مواطن بحاجة إليها، وساهمت التسهيلات والقروض البنكية والرواتب المرتفعة في ترسيخ ثقافة البذخ والمظاهر والاستهلاك المفرط في الشراء، وتغلبت الأهواء والعواطف والمباهاة في التبضع وبناء المنازل وتأثيثها وشراء السيارات والملابس والكماليات الأخرى والإنفاق على مناسبات الزواج والمهور والأعياد.. على العقل والوعي والتخطيط المدروس والمسبق، وتأثر الكثيرون من ذوي الدخول المتوسطة بسلوك الأغنياء الاستهلاكي فاقتدوا بهم في اختيار الماركات الغالية وفي تكديس عدد من السيارات باهظة الثمن بالتمويل أمام منازل متواضعة جدا، فتراكمت الديون على المواطنين بشكل كبير وارتفعت تكلفة المصاريف والأعباء المعيشية. ومع تراجع أسعار النفط في الأسواق العالمية الذي تعتمد عليه الحكومات الخليجية في الإنفاق، والانعكاسات الاقتصادية البليغة التي تسببت فيها الإجراءات المتخذة لمواجهة جائحة كورونا، وارتفاع العجز والدين الخليجي.. لجأت بعض هذه الحكومات إلى إقرار الضرائب وزيادة الرسوم لتعزيز مواردها وتخفيض الإنفاق وسياسات تقشفية قاسية، وإلى رفع الدعم عن الوقود والكهرباء والماء.. وهو ما سوف يؤثر سلبا على معيشة المواطن الخليجي المزدهرة لعقود، وإلى تغيير قواعد الاستهلاك التي ألفها والإدمان على الشراء المبالغ فيه، والإفراط في اقتناء الأشياء والحاجيات حتى وإن لم يكن في حاجة ملحة إليها، وسوف يأخذ جانب الحذر من المستقبل، وسوف يسعى جاهدا إلى ادخار ما أمكنه ليوم لا يعلم ما يخبئه له. فللضرائب انعكاسات عميقة على الاستثمار والسوق وموارد الدولة ومعيشة المواطن.. ما يدعو إلى إجراء دراسات ومراجعات دورية لتقييم هذه الانعكاسات وإجراء التعديلات على ضوئها.