شركات كثيرة كانت وما زالت تشكل أساس العمل الاقتصادي والمالي في دول العالم المختلفة، البعض منها حديث التأسيس والبعض الآخر بدأ منذ عقود وأجيال، تغيرات كثيرة وتعديلات متنوعة طرأت على العالم والناس لتُغير مجرى حياتهم من طريقة التفكير وصولا للاحتياجات والرغبات بل حتى وتعدت ذلك لتصل لأحاديثهم وغذائهم، ومما هو مثير للانتباه من وجهة نظري هو حجم تلك السلع التي باتت ضرورية لمجاراة إيقاع الحياة السريع الذي نعيش فيه، فها هو الهاتف المُتنقل وهو الاختراع الذي لا يزيد عمره عن خمسين عاما مثلا بات حاجة أساسية لنا بل حتى لأولادنا الذين لم تتجاوز أعمارهم الخمسة عشر عاما، وها هي أجهزة الكمبيوتر أصبحت القطعة المشتركة الوحيدة في جميع المكاتب والمنازل وغيرها الكثير والكثير، بل وأكثر من ذلك ها هو جهاز الموبايل الجديد يجُبُّ ما قبله ليصبح الانسان غير قادر على استخدام نفس الجهاز الذي كان يستخدمه منذ عدة سنوات فهو وبكل تأكيد لا يلبي حاجاته ولا ينفذ له ما يريد من مهام بالرغم من أنها لم تتغير او بالرغم من أننا على الأقل لم نشعر بأنها تغيرت، هذا التغير السريع في رغبات وحاجات المستهلكين، وهذا التحول المخيف بالرأي العام الاستهلاكي كان وما زال محل جدل ونقاش بين الشركات وهو ما جعل معظم الشركات في العالم تتبع فلسفة مختلفة في طرق البيع والتسويق، وهنا يأتي السؤال المهم، فما أهم الفلسفات التي تحكم عمل المنظمة بالنظر الى أسواقها وبالتالي تنعكس في قراراتها انشطتها البيعية والتسويقية؟ وكيف نُفرّق بين هذه الفلسفات؟ وأي منها هي الطريقة الأمثل للعمل والنجاح؟ أولا ومن الناحية العامة وقبل كل شيء فإن فلسفة الشركة في طرق البيع والتسويق تعكس ما تؤمن به هذه المنظمة من أفكار وممارسات مختلفة تنعكس لاحقا في طريقة بيع وتسويق منتجاتها وذلك عبر اعتماد مجموعة من الأنشطة والسياسات التي من شأنها أن تحقق هذا الهدف، فهناك من يعتمد على سياسات الانتشار الواسع بالأسواق وهناك من يعتمد على سياسات الخصومات والعروض وهناك من يعمل بطريقة لقاءات الزبائن المحتملين واقناعهم وغيرها الكثير، ومن هنا ومن واقع الممارسات العملية والمختلفة للمنظمات والشركات التجارية فإنه تم ملاحظة ان هذه الشركات تعمل بناء للعديد من الفلسفات والطرق في التعامل مع الأسواق، والتي من أهمها ما يلي: فلسفة المفهوم الانتاجي: وهي تقوم على فكرة أن الزبون سيُفضّل المنتجات المنخفضة السعر أو القيمة والتي يسهل بنفس الوقت الوصول لها كونها متوفرة بمعظم الأماكن والمحال، وبالتالي فالبائع هنا يُركز بالتحديد على كل من تكاليف الإنتاج والمدى الجغرافي لعملية التوزيع، وهنا يُمكن اختصار هذه الطريقة بأنها عادة ما تبدأ بعملية الانتاج ثم التوزيع ومن ثم تعود لتركز على انتاج نفس السلعة ولكن بتكلفة أقل ثم تنتقل لتوزيعها في نطاق أوسع وأسواق أكبر، وهذه السياسة قد تكون ناجحة في بعض الخدمات مثل خدمات التخليص الجمركي مثلا. فلسفة المفهوم السلعي: ويفترض هذا المفهوم أن المستهلك يُفضّل المنتجات ذات الجودة الأفضل وبالتالي فإن المنتج هنا يركز على تحسين جودة منتجاته دون النظر الى حالة الأسواق، فالأهم بالنسبة له في هذه الحالة هو المنتج وليس السوق، فهذه الفلسفة تتخذ من مقولة "المنتج الجيد يبيع نفسه بنفسه شعارا لها" وهو ما نراه في كثير من منتجات الدواء مثلا، وهذه السياسة وبرغم وجودها الا انها وفي بعض الأحيان قد تؤدي الى مشاكل تسويقية كبيرة تتسبب بخروج المنتج نفسه من الأسواق أو على أقل تقدير بدخول منافسين جدد. فلسفة المفهوم البيعي: وهي السياسة التي تعتمد على أرقام المبيعات دون النظر الى أي رقم او عامل آخر، وبالتالي فإنها تعتمد على الأنشطة الترويجية وعلى مهارات رجال البيع لتحقيق الأهداف فهي تفترض دوما بأن المستهلك لن يقوم بالشراء الا إذا دفعه لذلك شيء ما وهو ما يجعل تركيز هذه الفلسفة غالبا ما يكون على مهارات وطرق البيع والاقناع الفوري دون الحاجة اولاء العملاء أو رأيهم التقييمي للمنتجات، وغالبا ما نرى هذه الفلسفة في شركات بيع عروض السياحة والسفر مثلا. فلسفة المفهوم التسويقي: وهو يقوم على فكرة تكامل وتعاون جميع الأنشطة التسويقية والإنتاجية لتوفير منتج يُحقّق اسعاد المستهلك وليس ارضاءه فقط، وذلك غالبا ما يتم عبر دراسة حاجات الأسواق وتأمين المنتجات التي تلبي هذه الحاجات بالإضافة الى اعتماد سياسات مدروسة للتسعير والتغليف والتوزيع مع اعتماد أسواق مستهدفة لكل منتج، فهنا وبناء للفكر التسويقي فإن كل خطوة أو قرار يجب أن يستند على مبدأ من مبادئ التسويق، ومن أهم مستخدمي هذه السياسة تجار السيارات مثلا ولذلك فإننا نجد سيارات رياضية وأخرى اقتصادية وكذلك سيارات متوجهة للمرأة وأخرى للشباب وغيرها الكثير. فلسفة المفهوم الاجتماعي: وهو يقوم على مفهوم المسؤولية الاجتماعية للشركات وبالتالي فهو يركز على عدم انتاج أو بيع منتجات تضر بالمستهلك أو بالمجتمع، حيث إنه يعمل ويعتمد على حماية المجتمع وافادته أكثر من اعتماده على تلبية احتياجات الزبائن، وهنا فإن الافتراض السائد هو ان المستهلك سيختار المُنتج الأقل ضررا للبيئة أو للكوكب والبشرية، وهو ما نشاهده جلّيا في المنتجات الصحية أو الصديقة للبيئة مثلا. واخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي وبالرغم من أن جميع السياسات السابقة هي سياسات مهمة وأساسية في عملية البيع، إلا أن صفة المرونة والتفاعل الدائم مع أذواق واحتياجات الأسواق تبقى هي الرقم الصعب والوحيد القادر على تحقيق طفرات استهلاكية وأرقام مبيعات خيالية مستمرة، فالتغير التكنولوجي السريع والتطور المذهل الذي نمر به في أيامنا هذه قادر على تقديم منتجات تحمل حلول لمشاكل استهلاكية لم توجد بعد، وها أنا أستذكر قصص صناعات وحرف اختفت من الوجود ولم يعد لديها مكان في الأسواق برغم كل سياساتها التسويقية والترويجية وتخفيضات أسعارها وخصوماتها، فها هي الآلات الكاتبة تزين الرفوف كتحفة فنية وها هي أفلام تصوير الكاميرات توضع كديكورات نادرة في المحال والمجمعات، وهنا أتذكر مقولة الكاتب والروائي المصري الشهير "نجيب محفوظ" وهو العربي الأول الحائز على جائزة نوبل في الأدب، حين قال "لا تجمد نفسك في نمط، النمطية مفيدة ولكن المرونة خير وأبقى".