عانت الممارسات الاقتصادية من أفكار خاطئة موروثة سببت خسائر كبرى، من هذه الأفكار، دور الحكومة الاجتماعي المتنازع عليه حتى اليوم، ويظهر في كل المجتمعات، آخره في الولايات المتحدة خلال الانتخابات الرئاسية الحالية. «برني ساندرز» يريد دورا كبيرا وعميقا للقطاع العام في الاقتصاد عبر تمويل الحاجات الأساسية للمواطن من تعليم وصحة وغيرها من الموازنة. مشروع المرشح «دونالد ترامب» معاكس تماما ويشير إلى دور قليل للقطاع العام في الاقتصاد. في الحقيقة فشل الاقتصاديون حتى اليوم في تحديد الدور الأفضل للقطاع العام في الاقتصاد، فنشهد التباين القوي والعميق ليس فقط في النظريات وإنما في التطبيق. أهم هدف اقتصادي هو التضخم المنخفض، إذ إن أفكار مدرسة «ميلتون فريدمان» سيطرت على العلوم الاقتصادية لعقود. الاقتصاد الناجح هو الذي يعرف تضخما منخفضا ينتج عن سياسات مالية وخاصة نقدية محافظة. التضخم هو الهدف الأساسي ويمكن تجاهل البطالة والنمو والتنمية التي في رأيهم تنتج عن التضخم المنخفض. يكمن الخطأ هنا ليس في النظريات المبسطة، بل أيضا في التطبيق، إذ بالرغم من أهمية ضرب التضخم، لا يمكن أن يتفوق هذا الهدف على مؤشرات البطالة وغيرها. ليست هنالك تقلبات حادة في الأسواق المالية، لأن الأسعار تعكس الحقيقة أو القيمة الواقعية للأصول والسلع والخدمات. كانت هذه نتيجة النظريات المالية المرتكزة على مبدأ أن الأسواق تكون دائما فاعلة وشفافة، وبالتالي ليست هنالك معلومات مخبأة. يتبين من الممارسات لعقود خلت، أن المعلومات الصحيحة ليست دائما متوافرة مجانا للمستثمر وبالتالي يقوم بالاستثمار معتمدا على معلومات خاطئة تؤدي إلى خيارات استثمارية خاطئة أيضا. سيطرت هذه النظريات على العلوم والمؤسسات والشركات والأسواق لعقود خلت، وتبين مع الوقت أنها خاطئة في العديد من الأحيان. هذا لا يعني أن هنالك اليوم نظريات أخرى بديلة وصحيحة، بل يجب التروي في دراسة الأفكار وعدم التسرع في التنفيذ الأعمى. لا شك أن للعولمة فوائد كبيرة، إذ قرَّبَت العالم وسهلت التبادل التجاري والمالي بين الدول، لكنها شجعت على المخاطرة لتحقيق الأرباح، فتحققت الخسائر في العديد من الأحيان، لأن الأدوات التي استعملت كانت معقدة، بل يجهلها تماما الإنسان العادي الراغب في تحسين أوضاعه المالية. استغل بعض عملاء السوق جهل المواطن العادي لدفعه نحو الخيارات التي تربح العميل دون أن تكون ذات فائدة بالضرورة على المستثمر. تضرر العمل، بل العمال، من العولمة، حيث شعروا بأن حقوقهم أهدرت، بل إن مستقبلهم هو في خطر. لا يمكن بناء مجتمعات على رأس المال فقط، بل يجب النظر إلى مستقبل العمال والفقراء الذين يشكلون الأكثرية في كل الدول. أخيرا، تقدمت العلوم الاقتصادية إلى حدود لم يكن يتوقعها حتى أهم الاقتصاديين، لكن لا يمكنها أن تصل إلى مستوى الرياضيات والعلوم العادية، لأنها مرتبطة بالإنسان وخياراته وأوضاعه النفسية والعقلية. الاقتصاد يبقى علما إنسانيا وبالتالي تبقى نتائجه مرتبطة بأوضاع الإنسان في المكان والزمان وبأفكاره التي تتغير من وقت لآخر. الدراسات المبنية على أن الاقتصاد هو علم كالرياضيات أعطت نتائج وتوصيات تبين للجميع لاحقا أنها خاطئة.