تراجع طلبات بناء السفن الجديدة نتيجة تُخمة المتاح بالأسواق شَهدت السنين الماضية إنشاء العديد من أحواض بناء السفن حول العالم، فاقَت قُدراتها التشغيلية مُجتمعة احتياجات السوق، مما تسَبب بِحدة تَأثرها بتقلبات الأسواق، فالتراجع في طلبات بناء السفن الجديدة، والمُنافسة الشرِسَة الدائمة بين المُصنعين للحصول على طلبات بناء جديدة يُكبدها خسائر مادية كبيرة جداً، خاصة عند انخفاض نِسَب إشغالها، وتكون عُرضةً للإفلاس. ففي النصف الأول من العام تراجعت طلبات بناء السُفن بأحواض بناء السفن العالمية بأكثر من 60% لتبلغ نحو 5,6 مليون طن مقابل 18 مليون طن بالفترة نفسها من العام الماضي، فالعديد من أحواض بناء السفن تأثرت بتراجع طلبات البناء الجديدة، ومن إرجاء عُملائها لمواعيد تَسليم السفن والتركيبات البحرية المختلفة وإلغاء بعضها. فأكبر شركات بناء السفن الكورية كهيونداي للصناعات الثقيلة وسامسونج ودايو لبناء السفن، تكبدت بالعام الماضي خسائر مُجتمعة فاقت 7.4 مليار دولار، بالإضافة إلى اشتداد المنافسة مع أحواض بناء السفن الصينية والتي تُشكل حوالي 35% من أحواض البناء النشطة عالمياً حالياً. مما أدى إلى توجه شركات القطاع نحو الاندماجات والاستحواذات، فالأيام الماضية شَهدت الإعلان عن نِية شركة محيط الصين للشحن وشركة مجموعة الصين للشحن، التوجه نحو دمج عمليات أحواضها الجافة البالغة 11 شركة، لتُشكل معاً أكبر ثالث كيان صيني لبناء وإصلاح السفن. ويبدو أن الحكومة الكورية الجنوبية والتي كانت تُؤمن بجدوى دعم أنشطة بناء وإصلاح السفن، لما لها من تأثير مُضاعف على اقتصادها وخلق وظائف لشعبها، قد لحقت بالدول التي تنظر للدعم المُباشر للشركات كهدر لميزانيتها، وبضرورة اعتمادها على قُدراتها الذاتية كونها تعتبرها من الصناعات الناضجة التي حظيت بدعم حكومي مباشر لعقود طويلة، وهو ما جعلها تطلب من الأحواض الجافة الكورية إيجاد السُبُل التي تُمكنها من تحسين أوضاعها، وهي خُطوة بالاتجاه الصحيح، كونها تدفع بالشركات نحو رفع كفاءتها التشغيلية وتحقيق عوائد معقولة لمستثمريها، وتُتيح للحكومات فُرص توجيه هذه الأموال لاستثمارات جديدة تصُب في صالح الأجيال القادمة. وخلافاً لأنشطة بناء السفن، فإن أحواض إصلاح السفن تُعد أوفر حظاً بكثير من أحواض بناء السُفن، حيث إن أعداد السفن التي تم بناؤها كثيرة، وبالوقت نفسه فإن التشريعات التي تُؤثر بكفاءتها وعمليات تشغيلها عديدة، وتشتد صرامة يوماً بعد يوم وعليه، فإنها دائماً ما تحظى ببعض الأعمال حتى بفترات الركود الاقتصادي، مما يُبقيها عند نِسب إشغال مَعقولة، تُمكنها من الاستمرار بأنشطتها. كحاجة السفن الآن مثلاً إلى الامتثال لشروط الاتفاقية الدولية لمراقبة وتصريف «مياه صابورة السفن ورواسبها» والتي ستدخل حيز التنفيذ في سبتمبر 2017، والتي سيتعين قبلها تجهيز السفن بأنظمة مُعالجة «مياه الصابورة»، مما يعني فرص أعمال إضافية للأحواض الجافة، بالإضافة إلى استمرارية حاجة السفن للصيانة كل سنتين ونصف السنة أو كل خمس سنوات بحسب ما تقتضيه اللوائح والأنظمة. فالفترة القادمة بالنسبة لشركات بناء وإصلاح السفن تستدعي مُراجعة إستراتيجية أعمالها والأساليب المُتبعة، وإعادة تَشكيل هَياكلها التنظيمية بما يتماشى مع مُتطلبات الأسواق، كالتركيز على عمليات الصيانة والإصلاح للسفن والحفارات البحرية، خاصةً مع تراجع طلبات بناء السفن الجديدة نتيجة تُخمة المتاح بالأسواق، وضعف مُتطلبات التصنيع للتركيبات المُرتبطة بالعمليات النفطية نتيجة انخفاض أسعار النفط وانكماش الاستثمارات بالصناعة الهيدروكربونية.. فالبقاء بالفترة القادمة سيكون للأفضل.