غاز المتوسط

تتجه أنظار المراقبين إلى منطقة شرقي البحر المتوسط لتتبع آثار اكتشافات الغاز الطبيعي التي أعلن عنها مؤخرا، خاصة حقل "ظهر" في مصر الذي يقع على بعد 120 كلم من شواطئها وتأثير ذلك على مجمل أوضاع صناعة النفط والغاز، وضعا في الاعتبار البعد الجيوستراتيجي للمنطقة. فالحقل الذي يمتد على مساحة 100 كيلو متر مربع يعتبر إضافة حقيقية لجهود شركة أيني الإيطالية التي نجحت في الاكتشاف، الذي تزداد قيمته خاصة إذا أخذ في الحسبان أن شركة رويال دتش/شل كانت لها محاولات في نفس المنطقة لم تكلل بالنجاح. كما أن الاكتشاف يعيد شيئا من الاهتمام الدولي بالساحة المصرية التي عانت مؤخرا من التجاهل بسبب عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي خلال الأعوام القليلة الماضية وتحولها إلى دولة مستوردة لاحتياجاتها من الغاز. ويعيد الاكتشاف تركيز الضوء على أوضاع السوق النفطية، إذ يعتبر من أكبر اكتشافات الغاز ذات القابلية للربحية العالية رغم ظروف تضعضع سوق النفط والغاز من ناحية الأسعار، وهو ما قد يفتح شهية المتعاملين إلى عمل المزيد. حقل "ظهر" هذا وما تم اكتشافه من قبل في حقل "ليفايثان" الإسرائيلي و"أفروديت" القبرصي يعطي أهمية إستراتيجية لمنطقة شرق المتوسط هذه، خاصة أن التوتر الإقليمي الذي يميز هذه المنطقة سيلقي بظلاله على الساحة، كما أن الوضع الجغرافي والإستراتيجي للمنطقة سيشكل عاملا ما لابد من أخذه في الاعتبار عند النظر في مستقبل استغلال موارد الحقول الثلاثة على الأقل لفائدة شعوب هذه الدول ابتداء. الولايات المتحدة تأمل أن تسهم هذه الاكتشافات في الدفع باتجاه تقليص الخلافات السياسية في المنطقة والتركيز على تعاون اقتصادي يمكن أن يتخطى المنطقة التي يمكن أن تلعب دورا في تزويد بعض الدول الأوروبية ببعض احتياجاتها من الغاز ومن ثم تقليل اعتمادها على روسيا وتوفير بدائل ذات مقبولية سياسية. لكن قبل الدخول في مشروعات طويلة الأمد وذات أبعاد إستراتيجية مثل التوجه إلى السوق الأوروبية، فإن الدول الثلاث تحتاج إلى التوافق على كيفية استغلال هذه الثروة، خاصة أن بعض الاحتياطيات مثل تلك التي في قبرص تقع في مناطق متنازع عليها، لكن أهم من ذلك كيفية التواؤم على الأوضاع الجديدة. فإسرائيل مثلا كانت تخطط لأن تصبح مزودا رئيسيا لمصر بالغاز الطبيعي وذلك في حالة عكس للأدوار، لكن بعد هذه الاكتشافات فإن مصر في طريقها لتتحول من زبون محتمل إلى منافس قوي، الأمر الذي يمكن أن يلقي بظلاله على مجالات أخرى. وتبقى النقطة الرئيسية المتمثلة في مفارقات الاكتشاف في وقت تعاني فيه صناعة النفط والغاز من تراجع للاستثمارات وأن تأتي دفقة أمل للصناعة من أضعف نقطة فيها وفي دول ليس لها تاريخ عريق في نادي المنتجين، الأمر الذي قد يؤدي إلى بث شيء من الحماس لدى المستثمرين.