ماذا بعد الإنسان؟ هل ستولد حياة ومخلوقات أخرى لكي تحل محله؟ وتتولى الخلافة بعده؟ هل يعني ذلك بأن الإنسانية على وشك الانقراض، وكيف يحدث ذلك وقد بلغ تعداد سكان العالم ثمانية مليارات إنسان لأول مرة في التاريخ؟ هل يستطيع الإنسان أن يستشرف المستقبل ويقدم رأيه حول عالم "ما بعد الإنسان"؟ هل هي مخلوقات فضائية أو أنها أقرب إلى الإنسان أو من الجان...؟ أم ستكون صناعية تتناسل من روبوتات والآت علم "الذكاء الاصطناعي" الذي يجري عليه الإنسان المزيد من التجارب ويحدث الكثير من الإنجازات والخطوات التطويرية والتحديثية الهائلة؟ هل ستدمر مخلوقات "الذكاء الاصطناعي" التي يوجدها الإنسان، البشرية، وتتسيد من ثم على الأرض، لتنتهك القيم والأخلاق الإنسانية وتنشر المزيد من الفوضى في العالم؟ أم أنها ستجعل الإنسان ضعيفا منهكا مجردا من إنسانيته مستسلما لقوانينها لا حول له ولا قوة، وهي التي تقوم بمعظم الأدوار والأعمال الحياتية؟ أو ليس عنوان كتاب "ما بعد الإنسان"، لافتا للنظر محركا للفكر منشطا لطرح الأسئلة داعيا كل من يقع في يده إلى قراءته وسبر أغواره وفهم محتواه والاحاطة بمقصده ليتمكن من الإجابة على الأسئلة أعلاه، وتبين أفكار كاتبته وما تسعى إليه من هذا العنوان الشيق والملتبس في آن؟. الكتاب من تأليف "روزي بريدوتي"، وترجمته إلى العربية "حنان عبدالمحسن مظفر". من المدخل الذي أعدته مترجمة الكتاب، بدأت الصورة تتضح تدريجيا والمعنى والهدف والفكرة تعلن عن نفسها شيئا فشيئا، لتأخذنا إلى تخصص علمي غاية في الأهمية يتعلق بعالم ما بعد "الذكاء الاصطناعي"، حيث "تتزايد فيه سلطة التكنولوجيا، فتصبح أجهزتنا الهاتفية والحاسوب المحمول والكتب الالكترونية جزءا لا يتجزأ منا"، والذي من المؤمل أن تسود منتجاته العالم، وأن تستحوذ على حياة الإنسان، وتطرح المخاوف فعلا من قبل العلماء والباحثين والأكاديميين من أن تنقلب عليه وتحل محله وتصبح المسيطرة عليه، بمعنى أن الإنسان قد يسلم السيادة رغما عنه إلى مخلوقاته التي صنعها بإرادته. الكتاب من القطع الصغيرة التي لا تزيد عن ال200 صفحة، ويتحدث عن المستقبل ودور الروبوتات والآلات وعلاقتها بالإنسان، ومن الأهمية أن يجد طريقه إلى المكتبات الخاصة وإلى كل منزل وفكر وعقل إنساني. تتحدث الكاتبة عن نظرية "ما بعد الإنسان" التي باتت تروج لها العديد من الدراسات والأبحاث الأكاديمية والمقالات والروايات الأدبية والأعمال والمسلسلات التلفزيونية، فمسلسل "ماد مين" - على سبيل المثال - "يتطرق في أجزائه الأخيرة إلى الآلة باعتبارها بديلا من الإنسان عندما تخترع جون هولواي، تلك السكرتيرة التي لا يستغني عنها الرجال المسيطرون، آلة تحاكيها بالاستجابة لمتطلباتهم ومشاعرهم، سمة تميزها عن غيرها، فتكون الآلة بديلا ممكنا لسمة إنسانية مميزة: التعاطف والحدس..."، وتشير إلى الانقسام بين الأكاديميين "بين معارض قلق على التدخل التكنولوجي على ذواتنا كبشر، أو مساند يرى فيها تقدما لحالنا وانعاشا لنمط حياتنا...". كتاب "ما بعد الإنسان"، يدعو في حقيقة الأمر الإنسانية إلى "إعادة اختراع نفسها بشكل إيجابي، من خلال الابداع وتمكين العلاقات الأخلاقية..."، فالآلات "المستقلة، وبينما تصبح أكثر ذكاء وأكثر انتشارا، لا بد لها من أن تتخذ قرارات مصيرية". فأين سيكون موقع الإنسان وقتها؟. "يتبع".