تعافي أسعار النفط.. الوصفة بيد المنتجين

ظلت المبادرة القطرية المتعلقة بتجميد إنتاج النفط عند مستويات يناير 2016 من داخل منظمة الدول المنتجة للنفط (أوبك) وخارجها، نقطة ارتكاز تحليلات الخبراء والمتخصصين في شؤون النفط خلال الأسابيع القليلة الماضية، عليها يبنون حركة الأسعار صعودا وهبوطا واستقرارا، فكلما انتعشت الآمال على ضوء تصريح لمسؤول ينتمي إلى واحدة من دول الإنتاج الرئيسية يؤيد المبادرة ويؤكد حضوره اجتماع الدوحة يرتفع سعر برميل النفط، وما إن يدلي مسؤول آخر بتصريح متشائم عن صعوبة التوصل إلى اتفاق بتجميد الأسعار لأسباب سياسية أو اقتصادية، أو اعتذار ثالث عن عدم حضور الاجتماع تشهد الأسعار تراجعا، وإن ظلت الأسعار طوال الأسابيع الماضية تتأرجح ضمن هامش محدود، إلا أن ذلك الاستقرار يعزوه الخبراء إلى المبادرة القطرية وحالة الترقب التي سادت الأسواق العالمية وانتظار ما إذا كان اجتماع الدوحة سينجح في عقد اتفاق لتجميد النفط أم سيفشل؟ ورأى العديد من الخبراء والمراقبين أن المبادرة آنذاك تمثل فرصة أخيرة للدول المنتجة للنفط سيمثل إهدارها خطرا على اقتصادها الذي يشهد مصاعب وتحديات كبيرة، وهو ما حدث للأسف، فقد تم وأد المبادرة وأهدرت الفرصة. في تقرير أصدره موقع (بلومبرج)، الأمريكي أشار إلى أن مصدري النفط في العالم (يستنزفون أصولهم البترودلارية بخطى متسارعة)، مؤكدا أن الدول التي من المتوقع أن تلتقي في الدوحة لمناقشة المبادرة القطرية قد أنفقت (315 مليارا من احتياطيات النقد الأجنبي)، أي ما يمثل خمس إجمالي ما تملك، وأوضح التقرير أن المملكة العربية السعودية سجلت ما يقرب من (نصف التراجع في احتياطيات النقد الأجنبي من بين منتجي النفط، بحوالي 138 مليار دولار أو 23 في المائة من رصيدها، تليها روسيا فالجزائر)، فيما توقع تقرير اقتصادي صدر عن مركز الكويت المالي (المركز) أن دول مجلس التعاون الخليجي يتوقع أن (تقترض 390 مليار دولار بحلول 2020، لتمويل العجز في موازناتها في ظل الانخفاض الحاد في أسعار النفط). إلى جانب ذلك يتوالى انخفاض التصنيف الائتماني لبعض دول الخليج. وفي حقيقة الأمر ومع هذه الصعوبات والمخاطر التي يعيشها اقتصاد الدول المنتجة والمعتمدة على النفط وفي مقدمتها دول الخليج بالطبع تطرح تساؤلات عن الغايات من مواصلة زيادة الإنتاج النفطي وإغراق الأسواق ببراميل الذهب الأسود؟ والموانع أو المعوقات التي تقف أمام اتفاق حقيقي للدول الرئيسية المنتجة لخفض الإنتاج وليس تجميده، فلم يعد هذا الأخير كافيا وضامنا لرفع الأسعار بما يحقق التوازن ويوقف العجز والاستنزاف؟ فقد توقعت وكالة الطاقة الدولية تأثيرا محدودا لاتفاق تثبيت الإنتاج في الدوحة فيما لو تم أساسا، فهل تتآمر الدول المنتجة للنفط على اقتصادها وتعرض مستقبل شعوبها للخطر بهذه السياسات غير المأمونة؟. إن المكابرة والاستمرار في تجاهل المخاطر المحدقة بسبب تراجع أسعار النفط، واستخدامه ورقة لتحقيق مكاسب سياسية سوف يؤدي إلى استنزاف موارد هذه الدول النفطية وأصولها المالية ممثلة في صناديقها السيادية التي تمثل ضمانة حقيقية للمستقبل وورقة رابحة لمواجهة مرحلة نضوب النفط ومن الأجدى مواصلة استثمار أموالها في تعزيز وتنمية القطاعات والموارد الأخرى. لقد أدى إخفاق الدول المجتمعة في الدوحة يوم الأحد 17 أبريل الجاري إلى تراجع الأسعار بما يزيد على 6% في يوم واحد، وإن استعادت الأسعار عافيتها في آخر أيام الأسبوع المنصرم إلا أن التحليلات والتكهنات لا تزال متباينة، ففي الوقت الذي صرح فيه وزير الطاقة الروسي أن بلاده قد ترفع إنتاج النفط إلى مستويات قياسية بما (يتجاوز 12 مليون برميل يوميا)، أكد من جانب آخر الرئيس الأمريكي في زيارته للمملكة العربية السعودية وفي اجتماعه مع زعماء دول الخليج يوم الخميس الماضي، أن (الولايات المتحدة ودول الخليج ستعمل معا لمعالجة انخفاض أسعار النفط)، وفي ذات السياق قالت وكالة الطاقة الدولية إن (العام الحالي سيشهد أكبر انخفاض في إنتاج النفط خارج أوبك منذ 25 عاما، مما سيساعد على إعادة التوازن للسوق)، فيما توقع وزير النفط الفنزويلي قبل ثلاثة أيام، أن أسعار النفط (قد تنهار مجددا). إن الدول المنتجة للنفط تحتاج اليوم وبصورة عاجلة إلى، أولا: تجاوز خلافاتها السياسية والتركيز على مصالحها الاقتصادية والحفاظ على أصولها ومواردها المالية من الاستنزاف، ثانيا: استمرار الحوار والنقاش بين الدول المنتجة وتعيين مجلس خبراء اقتصاديين يمثلها جميعا قادر على تقديم توصيات ومشروعات قرارات فاعلة، وعلى وزراء النفط اعتمادها فورا وفي مقدمتها العمل على تخفيض كميات النفط وفق حصص عادلة توزع على الدول المنتجة وبما يحقق التوازن في سوق النفط، ثالثا: مواصلة العمل على الاستثمار في القطاعات الأخرى الحيوية وتعزيز مواردها وفق خطة تخفض من مستويات الاعتماد على النفط بشكل تدريجي وبخطى ثابتة.