خصائص الجنات الضرائبية

تعاني كل الدول من أموال كبيرة تهرب وإيرادات ضرائبية لا تحصل، مما يمنعها من تلبية حاجات مواطنيها وتطوير بنيتها التحتية. تضطر أكثر من أي وقت مضى لملاحقة مهربي الضرائب. معظم التهريبات يذهب إلى ما يعرف بالجنات الضرائبية التي تبقى سويسرا قائدتها، بل موجهتها. تعتبر هذه الجنات الضرائبية إحدى أهم أسباب توسع فجوة الدخل، مما يفسر إلى حد بعيد الحماسة الرسمية لملاحقتها ليس فقط بسبب المال وإنما أيضا لتأثيرها الكبير على الاستقرار الاجتماعي في الدول المصدرة للأموال. تكمن صعوبة ملاحقة الأموال المهربة في الضبابية بل السرية التي توصف بها هذه الجنات التي تزدهر على حساب الدول الأخرى. من ناحية أخرى، سبب التساهل أو التقصير في محاربة الجنات الضرائبية غضبا شعبيا كبيرا في الدول المصدرة للأموال، حيث واقع الحال أن الغني والشركات الكبيرة يتهربون من دفع الضرائب وفي نفس الوقت يلاحق الفقير أو صاحب الأجر أو الشركات الصغيرة. هذا غير مقبول في عالمنا اليوم. في نيسان 2009، قررت مجموعة العشرين المجتمعة في لندن محاربة الجنات الضرائبية بل إلغاء كل ما يعرف برأيها بالحسابات السرية التي تعتبرها المجموعة في معظمها حسابات التهرب من الضرائب وتمويل عمليات غير شرعية. منذ ذلك الوقت، زادت الأموال الفردية المهربة إلى سويسرا 18% كما زادت 25% إلى مجموع الجنات الضرائبية المنتشرة في أمكنة وقارات عدة. كانت النتيجة معاكسة للتمنيات بل للسياسات الموضوعة. لا ننكر أن الشركات الكبرى تهرب أرباحا في حدود 130 مليار دولار سنويا. المعلوم أن الجنات الضرائبية لا تتنافس مع بعضها البعض بل تتكامل، أي تعتمد التخصص في هوية الأموال الآتية وكيفية استثمارها. موضوع الجنات الضرائبية وضع على نار حامية بعد التجربة الفريدة التي وقع فيها الوزير الفرنسي «جيروم كاوزاك» في سنة 2012 والذي كان وزيرا للموازنة أي عمليا مهمته هي مكافحة التهريب والمهربين، فكان المهرب الأول. سجل صوته وهو يقول إنه يملك حسابا خاصا سريا في سويسرا، فقامت القيامة ولم تقعد. عندما جوبه بالموضوع أنكر أنه يملك هذا الحساب، لكنه في الوقت نفسه هرب أمواله إلى سنغافورة. أدى كشف الموضوع إلى حدوث فضيحة كبرى أدت إلى استقالته وإلى انهيار سمعته كطبيب وكسياسي بعد أن كان مستقبله واعدا. كانت المشكلة مالية وأخلاقية والثانية أهم. يقول «جابرييل زوكمان» في كتابه عن «الثروة المخبأة» إن 8% من الثروة المالية العالمية الصافية موجودة في الجنات الضرائبية بزعامة سويسرا. يعرف «زوكمان» الثروة المالية الصافية بمجموع الودائع المصرفية والأسهم في الشركات والصناديق كما السندات بالإضافة إلى عقود التأمين بعد طرح أو إسقاط الديون. يقدر «زوكمان» مجموع هذه الثروة بـ95.5 ألف مليار دولار، 8% منها أو 7.6 ألف مليار دولار موجودة في الجنات الضرائبية بينها 2.3 ألف مليار دولار في سويسرا. جميعها أرقام ضخمة إذا ما قورنت مثلا بالناتج المحلي للبنان أو بالديون عامة لليونان.