المفارقات وهي مجموعة من الأقوال أو الأفعال والتي تكون في معظم الأحيان متناقضة بل وأحيانا كثيرة غير منطقية، فبالرغم من أن بعض التصرفات قد تكون طبيعية بالمُطلق إلا أنها قد تكون نتيجة غير منطقية بل وحتى نتيجة غير معقولة لسلسلة طبيعية من الأحداث والتصرفات وهو ما يجعل منها مفارقة، وهي وإن كانت في بعض الأحيان مبنِيّة على الصُدفة إلا أنها في أحيان أخرى تكون مقصودة بل ومُخطط لها. وبالحديث عن علم الاقتصاد وهو العلم المرتبط بحياة الناس وسلوكهم اليومي وهو أيضا مُستمد من تصرفاتهم وأفعالهم المستمرة وبالرغم من أنه علم يبني نظرياته المختلفة على العقل والمنطق إلا أنه وكغيره من العلوم يحمل في طياته الكثير من التناقصات والاختلافات والتي وإن فكرنا بها بشكل مُتجرِّد قد تبدو للوهلة الأولى غير منطقية بل وغبية أحيانا. بداية فإن فكرة القيمة وإذا ما فكرنا بها بشكل علمي فإنها يجب أن تكون مرتبطة بالحاجة والضرورة فالأشياء الأعلى قيمة مثلا يجب أن تكون هي الأشياء التي لا يمكننا الاستغناء عنها في حياتنا وهي المنتجات الأكثر ضرورة لاستمرارنا على قيد الحياة مثل الماء والهواء، أما الأشياء الأقل قيمة فهي وبالمنطق هي تلك المنتجات التي قد تكون غير أساسية بل وحتى كمالية في ظروف معيشتنا وبقائنا في عِداد الأحياء مثل الذهب والألماس مثلا، ولكن وبالنظر إلى الواقع الموجود فإن الماء والهواء وبالرغم من أهميتهما المُطلقة لبقائنا إلا أنهما من أرخص المنتجات ثمنا، والذهب والألماس وبالرغم من أنهما لا يملكان أي فائدة على مستوى وظائف جسمنا الصحية إلا أن أسعارهما تفوق الماء والهواء بأضعاف مُضاعفة، وهنا يأتي السؤال المهم، لماذا هذا اللامنطق هو ما يسود الأسواق؟ وعلى ماذا تعتمد نظريات التسعير تلك؟ أما الجواب المهم لهذا السؤال فهو مُتشعِّب ومتعدد الأوجه ولكنه يعتمد وبشكل أساسي على فكرة النُدرة النسبية للموارد الاقتصادية وهي المشكلة الاقتصادية التي تتمثل في امتلاك البشر لرغبات وحاجات غير محدودة في عالم محدود الموارد، فالمجتمع البشري لا يملك الموارد الإنتاجية الكافية لتلبية كل حاجات ورغبات أفراده، وهو ما يعني ضِمنا بأنه تجب المفاضلة بينها، فالندرة وبشكل بسيط هي اصطدام رغباتنا غير المحدودة بمواردنا المحدودة، ولذلك فإن السلع أو الخدمات النادرة تُسمى بالسلع الاقتصادية، بينما تُسمى السلع الأخرى بالسلع الحرة، وهي السلع المرغوبة ولكنها متوفرة بكثرة مثل الهواء والماء، وهو ما يجعل من سهولة الحصول على سلعة معينة متوفرة بكثرة شديدة يُؤثر على سعرها بشكل سلبي، وبالتالي يجعل منها سلعة رخيصة أو مجانية بالرغم من أن انعدامها أو قلتها قد يشار إليه على أنه أمر كارثي قد يذهب ضحيته الملايين، وهو ما بات يُعرف بعلم الاقتصاد بالمفارقة أو (Paradox ) باللغة الإنجليزية، وهو تلك المفارقات التي يمكن أن تظهر في الحياة اليومية، وتناقض الحقيقة المعروفة في الأطر العلمية، وهو ما يُسبب تناقضا لمجمل المعرفة المعمول بها، فالخبز وهو القوت اليومي أرخص من الكافيار وهو الغذاء الغير ضروري. وهنا نصل إلى النقطة الأهم، فالحياة بتلك التناقضات تُعلمنا أن ما يحدد سعر أي منتج أو سلعة هو مستوى ندرتها ومدى توفرها بالإضافة إلى السهولة أو الصعوبة التي نحتاج لبذلها للحصول عليها ليأتي أيضا على رأس أولويات التسعير والقيمة معدلات الطلب والعرض وحجم الحاجات والرغبات التي تجعلنا نسعى للحصول عليها. وأخيرا وبرأيي الشخصي فإن القيمة الحقيقية لأي منتج أو سلعة ينبُع وبشكل أساسي من المستهلكين أنفسهم وهو ما يعتمد وبشكل أساسي على نفس بشرية تحمل في طياتها أصلا العديد من المتناقضات والرغبات، وبالتالي فإن القيمة الحقيقية للأشياء تظهر عند اختفائها وليس عند وجودها، وبالتالي فإن عملية التفكير المنطقي من الناحية السِعرية لبعض المنتجات الأساسية وإن لم تكن موجودة حاليا إلا أنها حتما ستظهر في حالة عدم توفرها أو عند الحاجة الماسّة إليها، ولنا في حروب الماء والغذاء خير دليل على ذلك، بل ولنا في قيمة الوقت لدى كبار السن أيضا حكمة وعبرة، وهنا أتذكر ما قاله لي أحد كبار السن وهو الشخص المعروف بحكمته واتزانه «إني لأتعجب دوما من احتفال الناس بأعياد ميلادهم وهو اليوم الذي تنقضي فيه سنة من عُمرهم ليقترب أكثر إلى نهايته».