على مدى الخمسة عقود الماضية، كانت الاقتصادات الخليجية تتنفس الحياة وتزدهر على وقع انتعاش أسعار النفط في الأسواق العالمية، وتفقد جزءا من أوكسجينها ما أن تنهار الأسعار إلى ما دون الأربعين دولارا، فالنمو والانكماش يتأرجحان مع حركة قيمة الذهب الأسود وأخباره التي تؤثر فيهما بحساسية مفرطة ارتفاعا أو انخفاضا في الإنتاج ومستوى العرض والطلب، والحروب والسلم، ودخول منتجين جدد إلى السوق أو مودعين له.. ولم تنجح السياسات والبرامج والخطط الخليجية حتى الآن رغم سنوات من العمل والإعلان والتنظير والوعود بالاستغناء الفعلي والتدريجي عن النفط كمغذٍ مهيمن ومعتمد عليه في تشغيل مكينة الاقتصاد، ولم تستجب القطاعات الاقتصادية الأخرى التي تم الاستثمار فيها بسخاء وكانت ضمن الأولويات في العمل على رفع مساهماتها في الناتج الإجمالي، لأسباب استعرضتها في مقالات سابقة نشرتها "لوسيل"، في عمودها الأسبوعي. الظروف وسير الأحداث والتطورات العالمية، تأتي أحيانا لصالح دول الخليج، لتخدم اقتصادها وتعيد لها انتعاشها ونموها. عودة الحياة إلى طبيعتها بعد سنتين من الحظر والإجراءات والاحترازات التي أنهكت الاقتصاد العالمي، واشتعال الجبهة الروسية الأوكرانية بحرب من النوع الثقيل، ألهبت أسعار الطاقة في الأسواق بمستوى غير متوقع فتجاوزت قيمة النفط الـ 100 دولار، والمتوقع أن تواصل ارتفاعاتها في قادم الأيام. الاقتصاد العماني شهد انتعاشا سريعا على خلفية الطفرة التي شهدتها أسعار النفط، ما حدا بوكالة "ستاندرد آندبورز"، بأن ترفع تصنيف "سلطنة عمان إلى BB_ مع نظرة مستقبلية مستقرة لأول مرة منذ عام 2015"، مستندة في تصنيفها النامي والمتفائل إلى "توظيف الفوائض المالية الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط - خفض العجز المالي - تقليل كلفة ومخاطر محفظة الدين العام" وقد توقعت الوكالة تحقيق فائض يقدر بـ "5.7% من الناتج المحلي الاجمالي في 2022 وتوقعات بأن يصل الدين بنهاية هذا العام إلى 19.46 مليار ريال عماني"، وتوقعات متفائلة بتراجع صافي الدين العام إلى "12% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025 وهو تحسن كبير مقارنة بالتوقعات السابقة التي "تتجاوز 30%". وفي الإطار ذاته توقعت "ستاردآندبورز" بأن يصل النمو الاقتصادي إلى "3.9%" في عام 2022. الانعكاس الفعلي لهذا التحسن في أداء الاقتصاد، ظهر في الإعلان الذي نشرته وزارة المالية قبل أسابيع قليلة، بالعمل على "سداد قروض بقيمة 2.85 مليار ريال عماني، وخفض الدين العام للدولة ليصل إلى "19.46 مليار ريال عماني بنهاية أبريل 2022م. وسعي الحكومة إلى "توظيف العوائد الإضافية الناتجة عن ارتفاع متوسط أسعار بيع النفط، في زيادة الإنفاق الإنمائي لتحفيز النمو الاقتصادي ودعم المشاريع التنموية – خفض العجز المالي – سداد جزء من المديونية العامة للدولة – وأخيرا تقليل كلفة ومخاطر محفظة الدين العام... ". وبغرض استبدال دين بمخاطر وتكلفة فائدة عالية، بكلفة أقل أصبح سهلا، على ضوء ارتفاع التصنيف الائتماني للسلطنة، أعلن البنك المركزي، عن "الانتهاء من إجراءات الحصول على قرض إعادة تمويل مع رفع حجم التمويل إلى 4 مليارات دولار وإطالة أمد الدين". كل المؤشرات والتوقعات تشير إلى تحسن أداء الاقتصادات الخليجية، وتعافيها بشكل مبكر من أزمة فترة كورونا وانهيار أسعار النفط في الأسواق العالمية. وبعد درس مالي قاس وموجع، يتطلع المواطن الخليجي إلى الاستفادة منه، بالنجاح في خلق اقتصاد قوي نام ومتنوع.