نملك البصيرة التي تجعلنا قادرين على التمييز بين الحاجة والمصلحة يتمكن الطبيب الجيد من تحديد مكمن الألم لديك لأنه يعرف الوضع الصحيح للجسم بدون ألم، كما يستطيع الميكانيكي الجيد تشخيص مكان المشكلة في سيارتك لأنه ببساطة يعرف كيف تعمل السيارة عندما تخلو من أية مشاكل، لكن ما تعاني منه المجتمعات والأسر والأفراد والحكومات - في بعض الأحيان- أنها لا تملك المعرفة الاقتصادية التي توفر لها القدرة على معرفة القرارات والخطط والبرامج والسياسات الاقتصادية، وبالتالي إتخاذ قرارات تؤسس لاستدامة نمو اقتصادها، واستثمار نقاط قوته وتعظيمها لتكون في خدمة حاضرها ومستقبلها. لذلك يجد الكثيرون أن المشكلات والمشاكل الاقتصادية محيرة إلى حد بعيد، لأنه لا توجد لديهم فكرة عن كيفية عمل النظام الاقتصادي عندما يكون بحالة جيدة، لغياب ضعف التفكير الاقتصادي، وتجاهل أهمية ودور الثقافة الاقتصادية، فيتراجع التفكير بشأن الاقتصاد، ومآلاته، ونتائجه، وكيفية التصرف لجعله يعمل بانتظام، سواء ما تعلق منه بالأعمال أو التفاعلات أو النتائج، حيث تسود العشوائية على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع، وترتفع الشكوى ممن يعتقد أنه خطط، وممن لم يخطط، إذاً ما الحل؟ رغم ما تقول الحكومات أنها خطط اقتصادية تعمل بها، وبالكاد يشارك فيها المسؤولون فما بالك بجموع المواطنين، فإنها بالنسبة للكثيرين مجرد وجهة نظر أكثر منها برنامجا تفاعليا مجتمعيا يشارك فيه ويتعامل معه الناس لإنجاز ما يخصهم منه، أفرادا، وأسرا، ومؤسسات عامة وخاصة، ومدنية، لذلك فهي لا تنجح، أو يكون نجاحها خجولا، وبمساعدة ظروف قد تكون استثنائية أو عابرة، وقد تلجأ بعض الدول لتنجيحها بمزيد من الإنفاق- بالديون- دون استدامة في نتائجها، أو أولوية في حاجتها، وتعاني من عيوب على مستوى الخدمة، والقيمة المضافة، وكلفة مرتفعة في مشاريعها ليس بسبب استخدامها وإنما لصيانتها. الأصل أن العملية الاقتصادية في أي مجتمع هي من أجل رفاهيته، وتطوير قدراته، وتحسين ظروفه المعيشية الآن وفي المستقبل، ما يستدعي تمتع أبناء هذا المجتمع بالقدرة على التفكير الاقتصادي الذي يسمح لهم بتوجيه مواردهم لخدمة حاضرهم ومستقبلهم، ولعب دورهم في الخطط والبرامج الحكومية والوطنية بكفاءة وجودة، ما يقود إلى حصافة في القرارات، وحوكمة أكبر في المجتمع، وشعور ديناميكي بين ما يتم إنجازه وبين إحساس الجميع بأنه شريك في هذا الإنجاز. بذلك تتم المحافظة على الإنجازات كبنية تحتية من أجل إيجاد البنية الفوقية بما تتضمنه من قيم عمل إيجابية، وسيادة القانون، وإعلاء شأن الإبداع الفني والعلمي والموسيقي والمعرفي، ما يدفع لبذل الجهد لتحقيق التفوق على المستوى الفردي والوطني، والارتقاء به نحو آفاق جديدة من الإبداع والابتكار والتجديد، ما يكرس الفخر بالانتماء للدولة. وعليه فالتفكير الاقتصادي، لا يعني أبدا أن نحفظ نظريات آدم سميث أو جون كينز أو مليتون فريدمان، بل أن نملك البصيرة الاقتصادية التي تجعلنا قادرين على التمييز بين الحاجة والمصلحة، وبين الادخار والانفاق، وبين الاكتناز والاستثمار، وبين إشراك الجميع في الحصول على المكتسبات وبين الاستئثار، وبين أن التنافس مع النفس ليحثها على المزيد من التفوق، أو التنافس مع الغير للتفوق عليه فحسب، وبين اعتبار النجاح صناعة، أو الحصول على سلعة النجاح بعرقلة الغير من المضي قدما فيه، «أي نجاحي يقوم على إفشال غيري».الحكومة الذكية تظل في حالة تفاعل مع مجتمعها للتعرف على حاجته، والشعب الذكي يظل في حالة تفاعل إيجابي مع نفسه لمساعدة مجتمعه على تلبية تلك الحاجات، والمساعدة هنا بالتفكير الاقتصادي الذكي الذي يقود حتما نحو الحد من الهدر، والسيطرة على أمراض الاستهلاك العبثي، ومواجهة الغزو اليومي وعلى مدار 24 ساعة لكل أنواع الدعايات والإعلانات والمحفزات للإنفاق، الذي يكون أحيانا كثيرة تحت ضغط الإعلان وليس تحت ضغط الحاجة الملحة، فالذي يفكر اقتصاديا يكون قادرا، ويجب أن يكون قادرا، على مواجهة المغريات. أرني كيف تفكر اقتصاديا، أقل لك كيف سيكون مستقبلك.