الفساد وعجز الموازنات

يضرب العمليات التجارية والمالية عبر التزوير والغش فجأة استفاق العالم على خطورة الفساد بعد أن غض النظر عنه لعقود خلت. استفاقت الحكومات كما منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الدولية الى خطورة الفساد وكأنه أمر جديد وطارئ. لا شك أن الفساد انتشر بسبب التخاذل في محاربته كما بسبب الحاجة المالية التي خلقتها أزمة "الركود الكبير" المستمرة منذ سنة 2008. من ناحية الدول، تعجز الموازنات العامة للدول الرئيسية عن تمويل انفاقها، وبالتالي تحتاج إلى إيرادات جديدة وكبيرة. من ناحية الأفراد والشركات وبسبب الافلاسات وسوء الأوضاع، يحاول بعضهم عبر نشاطات غير شرعية التعويض عما خسروه في الأسواق من استثمارات وفرص ومشاريع. الفساد ارتفع وانتشر كما زادت الحاجة لمحاربته للتعويض عن الايرادات العامة المفقودة. تتوسع النشاطات غير الشرعية بدءا من تهريب الأموال إلى الجنات الضرائبية، إلى التجارة بالمخدرات والأسلحة والسلع المزورة والبشر والأعضاء كما سرقة المعلومات بالإضافة إلى كافة عمليات تبييض الأموال والارهاب. السلع المزورة هي في معظمها غربية أي ساعات سويسرية والعديد من سلع الزينة والكماليات التي ترغبها المرأة كما يرغبها رجل اليوم أيضا. يضرب الفساد العمليات التجارية والمالية في داخلها عبر التزوير والغش وإعطاء المعلومات الخاطئة والقيام بالعمليات المشبوهة المغطاة قانونا. أمثلة النشاطات الفاسدة كبيرة وعديدة وها هي أوراق "باناما" تكشف بالوقائع ما لم يدهش العالم، بل أكد صحة وخطورة وانتشار الفساد. تشير العقوبات المالية التي فرضها القضاء على المصارف العالمية الى انتشار الفساد، وكأن انقاذ النظام الرأسمالي العالمي يعتمد على وجود هكذا أعمال تؤجل السقوط. في سنة 2014، عوقب مصرف أمريكا بمبلغ 16 مليار دولار وتبعه تشكيلة من المصارف الأمريكية والأوروبية والتي كان يشهد لها بحسن التصرف واحترام حقوق الزبائن والخضوع للقوانين. كانت المفاجأة ليس في وجود أعمال كهذه وانما في انتشارها واصابة أفضل المصارف بها كما في غض النظر عنها من قبل إداراتها. في الأسواق المالية، حصلت جرائم كبرى أودت بالمجرمين إلى السجن دون أن تعالج مشاكل الضحايا. كان هنالك جشع لا مثيل له من قبل عملاء السوق وغباء واضح من قبل الذين وثقوا بهم ربما بدافع الجشع أيضا. "مادوف" أشهر المجرمين الذي أودع في السجن مع حكم قاس أي 150 سنة لسرقة 17,3 مليار دولار. مجرم آخر هو "ستانفورد" سارق 7 مليارات دولار وحكم عليه بالسجن 110 سنوات. هنالك أمثلة مشابهة في كل المجتمعات. كتب الاقتصادي "كيندلبرغر" أن عدد المجرمين الماليين يرتفع في فترات الازدهار الاقتصادي بسبب الفرص السخية التي تتوافر لهم. لكن عدد المجرمين اليوم يرتفع أيضا في زمن الركود بسبب رغبة المواطن والشركة في تحقيق الأرباح مهما كانت الوسائل وعلى حساب الأخلاق والأنظمة والقوانين. لا شك أن الجدية في العقاب تخفف من حدوث الإجرام لكن لا تلغيه لأن الغش والجشع يبقيان موجودين في الظروف الجيدة كما السيئة. بدءا من الجنات الضرائبية التي استفاقت الحكومات على محاربتها ليس للدفاع عن الأخلاق والنزاهة والنظافة، وإنما لتحصيل إيرادات مالية هربت من الرقابة. يخشى أيضا أن تقوم هذه الأموال بتمويل نشاطات إجرامية تبدأ من الإرهاب وتمتد إلى كافة التجارات الممنوعة. ازدهرت هذه الجنات في النصف الثاني من التسعينات وخاصة ما بعد سنة 2000 وما زالت تنمو. هنالك إحصائيات تشير إلى وجود ما بين 10 آلاف و 25 ألف مليار دولار مخبأة في الجنات الضرائبية.