انطلقت الدعوة في سلطنة عمان إلى فرض رسوم أو ضرائب على تحويلات الأجانب منذ وقت مبكر، وذلك في بداية التسعينيات، إن لم تخن الذاكرة، وتواصل الجدل بشأن هذا الملف بين مؤيد وله مبرراته وأسبابه الوجيهة، ومعارض اتكأ على دوافع وحجج لا تقل رجاحة ورصانة عن الرأي المؤيد وكانت المصالح الاقتصادية في مقدمة تلكم الأسباب والدوافع المؤيدة أو المعارضة. وقد كان الحديث والبحث في هذا الموضوع مقتصرا على المحاور والموضوعات التي تناقشها الندوات والجلسات الحوارية والدراسات والتقارير التي تعدها المؤسسات الأكاديمية والمراكز البحثية والبرامج الإعلامية والمقالات المنشورة في الصحافة بهدف تنظيم سوق العمل، الحد من ارتفاع أعداد العمال الأجانب في السوق المحلي، محاربة التجارة المستترة، تهيئة الظروف والأسباب الممهدة لدخول وتوظيف العمانيين في مؤسسات القطاع الخاص، وأخيرا تعزيز الموارد المالية المحصلة من الرسوم والضرائب. وتزايدت الأصوات وتطورت تلك الدعوة خلال السنتين الماضيتين في جميع دول مجلس التعاون الخليجي، آخذة البعد الأهم ضمن الجهود المبذولة للبحث عن موارد جديدة تسهم في معالجة العجوزات المالية التي سببتها انخفاضات أسعار النفط في الأسواق العالمية، وتخفف كذلك من واقع استنزاف السيولة بسبب التحويلات المالية الضخمة، ولكن في المقابل لا تزال الأصوات المعارضة لهذه الرسوم تحتمي بذات الأسباب الوجيهة والمقنعة، بل يمكن أن نقول بأنها تعززت أكثر من ذي قبل، وتتمثل في أنها: تتنافى مع سياسات اقتصاد السوق الحر، وقد تتعارض مع الاتفاقيات التي وقعتها دول الخليج مع منظمة التجارة العالمية واتفاقيات التجارة الحرة، كما أنها غير معمول بها في مختلف دول العالم، التخوف من أن تؤدي إلى رفع معدلات الأجور وتكاليف الإنتاج والخدمات المقدمة واللجوء إلى تحويل الأموال عبر قنوات غير قانونية تهربا من دفع الضرائب، تأثيرات سلبية على جذب الاستثمارات الأجنبية وعلى نشاط الحركة الاقتصادية في الخليج.. ويفضل معتنقو هذا الرأي التفكير في إيجاد حلول عملية لاستثمار المليارات من الدولارات التي يحولها العمال الأجانب إلى بلادهم كل عام وضمان الإبقاء على السيولة، ومنها على سبيل المثال تسهيل الإجراءات التي تشجع أي مقيم على استقدام أفراد عائلته للعيش معه في دول الخليج، وكذلك (السماح للوافد باستثمار مدخراته في الصناديق الاستثمارية أو صناديق التأمين أو العقارات، ومن ثَم تحقيق عائد جيد لأصحاب الأموال المودعة أو المستثمرة من الأجانب)، بدلاً من التفكير بفرض رسوم أو ضرائب على تحويلاتهم المالية. وفي هذا الإطار فقد تدارس مجلس الشورى السعودي قبل أشهر مقترحاً بفرض رسوم (تدريجية على تحويلات الأجانب في المملكة تبدأ بـ 6% من قيمة التحويل خلال السنة الأولى من عمل المقيم، وتقل النسبة سنوياً إلى أن تصل إلى 2%)، وسبقه إلى ذلك مجلس الشورى العماني، وسار على ذات النهج مجلس النواب البحريني، وإن اختلفت الصيغ والآليات. إن دول الخليج، وفي ظل الدرس القاسي الذي مر به اقتصادها بسبب هبوط أسعار النفط ونظرا لحساسية الاقتصاد وتداخل قطاعاته وارتباطاته الوثيقة محليا وإقليميا وعالميا في عصر العولمة والطفرة العلمية التكنولوجية وسرعة تأثره بالسياسات والقرارات المتخذة، تحتاج اليوم إلى فريق اقتصادي قوي قادر على اتخاذ القرارات ورسم السياسات وإعداد التوصيات ووضع الخطوات العملية والسريعة وتقديم الحلول والمعالجات التي من شأنها تعزيز الموارد وتطوير القطاعات الاقتصادية وضمان تنوع وتعدد مصادر الدخل والاستغناء التدريجي عن الاعتماد على النفط، ومنها بالطبع ضمان الإبقاء على نسبة مرضية من مليارات الدولارات التي يحولها العمال واستثمارها في الأسواق والمشاريع الخليجية، فوفقا لتحليل نشرته صحيفة (الاقتصاد السعودية) ارتفعت قيمة تحويلات العمالة الأجنبية الوافدة في المملكة إلى أكثر من 156 مليار ريال سعودي في 2015 مسجلة زيادة نسبتها أكثر من 3 مليارات ريال سعودي عن 2014، مع أن الأرقام الحديثة أشارت إلى تراجع هذه التحويلات بنسبة 8.3%، خلال شهر أبريل الماضي، هذا وتأتي المملكة العربية السعودية في المرتبة الأولى عربيا، والثانية عالميا من حيث قيمة التحويلات، وتأتي بعدها الإمارات العربية المتحدة التي بلغت تحويلات الأجانب فيها حدود 32 مليار دولار مقارنة بـ 29 مليارا في 2014، وتليها في الترتيب الكويت خليجيا، ودولة قطر في المرتبة الرابعة.