بسبب انخفاض أسعار النفط وتعثر الإيرادات المالية، تقوم الدول العربية بتخفيف أو إلغاء الدعم كما بإدخال ضرائب. ما هي الأسباب الحقيقية لإصلاح الدعم قبل إلغائه؟ هنالك عدوى إيرانية واضحة في هذا الإطار حيث قامت الحكومة بدءا من سنة 2010 بإصلاح نظام الدعم نتيجة العقوبات وتعثر الإيرادات كما الاقتصاد. فالحاجة تبقى دائما أم الاختراع. لا يمكن لأي سياسات دعم أن تستمر إلى ما لا نهاية لأنها أصلا وجدت كي تحل مشكلة ما وبالتالي هي مؤقتة. فإلغاء الدعم حتمي، لكن المشكلة تكمن في التوقيت. إلغاء الدعم دفعة واحدة يحدث اعتراضا وشغبا في الشوارع والمدن، أما الإلغاء التدريجي فهو عملي وأفضل. إلغاء الدعم لا يمر عموما من دون تطبيق سياسات تحوذ على إعجاب المواطن كي يسهل له قبول الإلغاء، مثلا عبر ضرب الفساد والفاسدين ووضع اتفاقيات تجارية وإنسانية وبيئية كما اتفاقيات هبات أو قروض ميسرة أو مشاريع إعمارية. من الممكن تقديم الدعم لمجموعات معينة وليس للجميع. فدعم المحروقات مثلا يفيد الفقير كما الغني الذي لا يحتاج إليه. من الأفضل وقف الدعم وإعطاء مساعدات أو أموال مباشرة للفقراء ينفقونها كما يشاؤون على حاجاتهم الأساسية. لا شك أن الأوضاع المتعثرة عربيا وخليجيا ترفع من حجم المشاكل الاجتماعية وتكلفة الحلول. بين الدول العربية التي تمر في فترة صعبة، لا بد من التنويه بالتجربة المصرية بسبب أهمية الدولة في المنطقة وتأثرها اقتصاديا دون أن تكون فيها مشاكل كبيرة. يبلغ الدخل الفردي السنوي حوالي 3 آلاف دولار لدولة تحتوي على 90 مليون نسمة. يفوق عجز الموازنة 12% من الناتج مع تضخم يبلغ 14%. هنالك شح في النقد الصعب مما اضطر المصرف المركزي إلى تحرير سعر الصرف بدأ من 3 نوفمبر 2016 بحيث ارتفع سعر صرف الجنيه المصري خلال ساعات من 8.8 إلى 18 للدولار الواحد. تعتبر هذه كارثة على الفقراء وأصحاب الدخل المحدود لكنها تشجع في الوقت نفسه على السياحة والصادرات. حصلت مصر على قرض من صندوق النقد الدولي يبلغ 12 مليار دولار، إلا أننا نعلم جميعا أن قروض صندوق النقد ترتكز على شروط صعبة ربما تصب في مصلحة الاقتصاد إنما يمكن أن يحصل العكس أحيانا. أدخلت مصر الضريبة على القيمة المضافة، إلا أن هنالك إعفاءات واستثناءات كثيرة تعطل فعاليتها من ناحية الإيرادات. اضطرت الحكومة إلى تخفيض الدعم عن المحروقات علما أن سلعا أخرى تبقى مدعومة. هنالك وجع أكيد على المدى القريب سيؤدي، إذا أحسنت الحكومة إدارة الدولة، إلى راحة على المدى البعيد ضمن القروض والمساعدات وإيرادات القناة والسياحة المتوقعة. التحدي الأكبر الذي سيواجه الحكومة هو الحفاظ على النظام والهدوء في ظل تنفيذ سياسات الإصلاح المالي المرتكزة على تخفيف الدعم وتحصيل الضرائب. لا بد من إصلاحات أخرى تسهل الاستثمارات، علما أن مصر تقع في المرتبة 122 في مؤشر البنك الدولي للأعمال وهذا غير مقبول.