العيد هو إشارة إلى البهجة والسرور، والاستمتاع بكل ما أباحه لنا الله تعالى من طيبات، وهو فرصة جديدة لتقوية وتنمية صلات الرحم والتعاون، والعطف على الفقراء والمساعدة على قضاء حوائج كل محتاج، لذلك وبسبب بُعدها الروحي أصبحت هذه الأيام تُعتبر من المناسبات الدينية والاجتماعية الهامة في حياتنا، حيث يحتفل المسلمون كل سنة بعيدين مُهمين كلاهما يرتبط بأداء فرض ديني؛ فعيد الفطر يأتي بعد صيام شهر رمضان، وعيد الأضحى يأتي بعد أداء فريضة الحج، وعيد الأضحى يبدأ يوم 10 ذو الحجة أي بعد يوم وقفة عرفة وينتهي يوم 13 ذو الحجة، وهو ذكرى لقصة سيدنا إبراهيم عليه السلام عندما أراد ذبح ابنه إسماعيل عليه السلام، كما شاهد نفسه يفعل في الرؤيا امتثالاً لأمر الله تعالى، ولكن الله -عزوجل- فداه بكبش قام سيدنا إبراهيم بذبحه، لذلك يقوم المسلمون بذبح أحد الأنعام وتوزيع لحومها على الفقراء والمحتاجين والأقارب وأهل بيتهم، اقتداءً بسيدنا إبراهيم عليه السلام، وهو أيضا يُطلق عليه يوم الحَجّ الأكبر، وقد سُمِّيَ بذلك لكثرة الأعمال التي تُؤدّى فيه؛ حيث يقف فيه المسلمون بمزدلفة، ويرمون جمرة العقبة، ويطوفون طواف الإفاضة، ويحلقون رؤوسهم أو يقصّرون شعرهم، ويؤدّون صلاة العيد، ويذبحون الأضاحي بعد صلاة العيد، ولذلك فقد أُطلِق عليه اسم العيد الكبير. هذا وتشهد قطاعات تجارية وخدمية متعددة حركة تجارية نشيطة في الأسواق تزامنا مع قرب حلول مواسم الأعياد، حيث يتركّز مثلا نشاط الحركة التجارية في عيد الأضحى على سوق الأضاحي والألبسة والمجوهرات والهدايا، إضافة إلى محال تقديم الخدمات مثل محال تنظيف وكي وخياطة الألبسة والمطاعم وغيرها الكثير، وبالرغم من أن هذه الأعياد تحمل دلالات ومنافع دينية واجتماعية هامة، إلا أنها ومنذ نشأتها استطاعت أن تؤدي وبنفس الوقت دورا اقتصاديا مهما، وخاصة لأصحاب المهن المتعلقة بطبيعة كل عيد منها. فها هو شهر رمضان وعيد الفطر يُصبح الموسم الأكبر لبيع الطعام والمواد الغذائية، وها هو عيد الأضحى أيضا يٌصبح الموسم الأهم لبيع الخراف والأنعام. وهذا ما يأخذنا للنقطة الأهم وهي الأهمية الاقتصادية للأعياد وبشكل خاص عيد الأضحى: من المعروف أن عيد الأضحى كغيره من الأعياد يحمل فوائد دينية واجتماعية متعددة تبدأ من كونه عبادة يستطيع المؤمن من خلالها تطبيق شعائر للتقرب من الله وتنفيذ تعاليم دينه، ولا تنتهي بكونها إحدى أدوات التقارب الاجتماعي ومحو الفوارق والحواجز بين طبقات المجتمع المختلفة، أما من الناحية الاقتصادية، فمن المؤكد أن التغيرات في موسم الأعياد لا تقتصر على زيادة الإنفاق وارتفاع المبيعات في سلع معينة، بل تمتد هذه التغيرات لتطال كثيراً من جوانب الاقتصاد، حيث يشهد عيد الأضحى مثلا إقبالًا مُتزايدًا في القوة الشرائية والتي تظهر بطريقة واضحة من خلال الطلب الكبير على المواشي والأضاحي، كما أنه يُؤثر أيضا على وسائل النقل وتجارة السلع والخدمات المختلفة فيزيد الإنفاق على الألعاب والخدمات السياحية وصالونات الحلاقة والتجميل وغيرها من الأنشطة التي تساهم بسبب تنوعها وتشعُّبِها في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية للشركات والمؤسسات، فموسم العيد يتميز غالبا بزيادة التدفق النقدي وبالتالي ضخ سيولة جديدة تنتقل من تاجر إلى تاجر ومن مُستهلك إلى آخر، فبحسب بعض الإحصاءات في السنوات السابقة تزيد نسبة مبيعات اللحوم مثلا بما يفوق الـ30% في كثير من الدول في موسم عيد الأضحى، وكذلك فإن سوق الحلويات والمكسرات والهدايا، مثلا، قد يتضاعف مرات ومرات، وهو ما يجعل من هذه الفترات مواسم عمل قد تُضاهي بأهميتها فترة باقي السنة كاملة. وأخيرا وبرأي الشخصي، فإن الأعياد هي مواسم متعددة يستغلها الناس للكسب والنجاح في جميع المجالات، فهي أولا وقبل كل شيء موسم للعبادة والتقرب لله، تتضاعف فيها الأعمال والحسنات، وكذلك هي موسم للعمل الجماعي الذي تتقارب فيه الطبقات وتذوب فيه الفوارق، فنجد الناس وباختلاف توجهاتهم يتزاورون ويجتمعون، وهي أيضا موسم للعطاء والتعبير عن المحبة والتقدير، وأخيرا وليس آخرا، هي موسم للعمل وجني الأرباح يستفيد منها التجار في تحقيق المكاسب الاقتصادية والأرباح المالية، وهنا فإنني أؤكد على أن هذه الأيام تحمل الخير، بل والخير الكثير في الدنيا وفي الآخرة وفيهما معا، وهنا ـتذكر قوله تعالى في كتابه العزيز وفي سورة الحج تحديدا: ((وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴿۲٧﴾ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴿۲۸﴾))